fbpx
افتتاحية

التقية

يواصل العدالة والتنمية الرسوب في القسم الأول، ويكرر الأخطاء “الإستراتيجية” نفسها التي تفضح تأرجحه بين خطابين: واحد سياسي ظاهر يستفيد من الفرص الانتخابية المتاحة للتموقع في المؤسسات والمناصب مركزيا ومحليا وجهويا، والثاني دعوي “خفي” يقفز إلى الواجهة تلقائيا، كلما استشعر الحزب “خطرا” يداهمه.
وليست واقعة حامي الدين الأولى التي اختبرت النوايا الحقيقية لـ”بيجيدي”، فقد سبقتها محطات أخرى كان فيها العدالة والتنمية أقرب إلى “الجماعة”، منه إلى حزب مؤسس في إطار القوانين التنظيمية له حقوق وعليه واجبات والتزامات تجاه المجتمع والدولة والمؤسسات.
ولعل التاريخ القريب مازال يحفظ صور المسيرات والمظاهرات والبلاغات النارية وخطاب الغلو و”التقوقع” على الذات الدينية، التي واجهت فيها “جماعة” الخطيب مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية.
وبسبب هذه “الانتفاضة”، انقسم المغاربة، في نظر العالم، إلى جبهتين: واحدة “دينية” يقودها المنتسبون والمتعاطفون مع العدالة والتنمية، هدفها حماية الإسلام والذود عن حرماته، وأخرى “لادينية”، غايتها تخريب الأخلاق وعلمنة المجتمع وفصله عن الدين، والحال أن مشروع الخطة حمل في جوهره مطالب حقوقية للنساء في المساواة والتمييز الإيجابي دون خلفية دينية من الأصل.
كاد الحزب يحرق الأرض ومن عليها، متسلحا بخطاب يمتح من أفكار جماعات الإخوان المسلمين، وتأويلات خاصة للتراث الإسلامي، لولا تدخل أمير المؤمنين الذي حسم في الأمر، مشكلا “لجنة ملكية استشارية لمراجعة مدونة الأسرة” التي اشتغلت سنتين وقدمت قانونا بمثابة مدونة للأسرة أمام البرلمان في 2003.
وبين التاريخين وبعدهما، ظل الحزب يقظا و”متوثبا” لكل ما يمكن أن يمس (من وجهة نظره) أخلاق المجتمع ودينه، ومثال ذلك محاربة أشكال الفن والموسيقى والمهرجانات والتعابير المسرحية، ومناهضة مسابقات ملكات الجمال، والتحرش بالحريات الفردية والتحريض على المواطنين، ومحاكمة نواياهم والتفتيش في صدورهم.
وعلى خلاف الجماعات الإسلامية الأخرى، التي اختارت إستراتيجيات واضحة لتغيير الأنظمة السياسية القائمة، إما عن الطريق الإصلاح والمشاركة، أو التغيير الجذري الجماهيري، اختار العدالة والتنمية طريقا ثالثا، أي التأرجح بين الحبلين، حسب السياق والظروف والمزاج السياسي العام، وأساسا حسب تقدير خاص للمصالح وحساب الربح والخسارة.
لذلك، رافق اتهام “ازدواجية الخطاب” وإستراتيجية الغموض (أو التقية بالمفهوم الديني) مسار هذا الحزب مذ كان مجرد جمعيات دعوية مشتتة، قبل 1981، تمتح من فكر السيد قطب وبعده حسن البنا وأفكاره المؤسسة على شمولية الإسلام لجميع مناحي الحياة، قبل أن ينتقل إلى حركة دعوية، بأسماء مختلفة، حاولت إجراء مراجعات فكرية محدودة اتقاء لـ”الشبهات”، وصولا إلى تنظيم سياسي في 1996، مازال يحمل في سلوكه وتصرفاته و”ردود أفعاله” ونزقه الفكرة الإخوانية في جوهرها.
ولا تخرج “واقعة فاس”، وأسلوب التجييش واستعراض القوة ومنطق “لن نسلمكم أخانا” عن “فكر شمولي” أحادي، مالك لـ”الحقيقة المطلقة”، ويعتبر الديمقراطية والانتخابات والأصوات والمشاركة، مجرد “أدوات” تكتيكية، أو “وسائل نقل” مريحة، للوصول إلى المحطة الأهم.
فإلى أين المبتغى يا ترى؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى