افتتاحية

وحشية

تدفع الجريمة الهمجية، التي استهدفت السائحتين الإسكندنافيتين بإمليل، إخضاع المقاربات التي نهجها المغرب للقضاء على الإرهاب، منذ أحداث 16 ماي بالبيضاء، إلى إعادة ترتيب الأولويات. فهناك إجراءات أثبتت نجاعتها في الحد من التطرف، وأخرى فشلت في تفكيك بنية الاستقطاب وغسل الأدمغة.
لقد أوصد المغرب، بمقارباته، الباب أمام الإرهاب، لكنه أغفل نافذة صغيرة يستغلها المتطرفون من أجل إعادة نشر أفكارهم، واستقطاب أتباعهم وتنفيذ عملياتهم، ما يفسر استمرار تفكيك الخلايا الإرهابية، وصل بعضها إلى مرحلة التنفيذ، ودقت ناقوس الخطر بإغفال فجوات يتسلل منها الخطر الإرهابي.
حان الوقت لمواجهة التطرف والإرهاب بحزم، ولن يتسنى ذلك إلا بقرارات شجاعة، وإجراءات تغلق الباب أمام المتسللين، فلا يعقل، إطلاقا، تحمل الأجهزة الأمنية وحدها عبء المواجهة، رغم أنها أثبتت كفاءتها أمام “القاصي والداني”، ونجحت، بشهادات دولية، في حربها على الإرهابيين، وجنبت المغرب الويلات، ويكفي أنها تمكنت في ظرف قياسي من اعتقال همجيين متعطشين للدماء استغلوا عشق فتاتين لطبيعة المغرب للتنكيل بهما وذبحهما.
لا تكفي فقط المقاربة الأمنية في الحرب على الإرهاب، فالأولى تجفيف منابعه بقرارات تتدخل فيها جهات أخرى وتقع داخل اختصاصها، نوجز بعضها في ما يلي:
1 – تطبيق عقوبة الإعدام. فغيابها أو عدم تنفيذها يشجع هؤلاء الهمجيين على التخطيط والتنفيذ، لعلمهم المسبق أنهم، في حال اعتقالهم، سيقضون “أزهى” أيامهم بالسجن، حيث يمارسون حياتهم الطبيعية بين أسواره، ويزاولون هواياتهم، ويتناولون وجباتهم الغذائية على حساب أموال من أهدروا دماءهم، ثم ينتفضون لانتزاع حقوق لا يستحقونها.
2 – امتلاك الشجاعة في مواجهة “كتاتيب” أثبتت كل الوقائع أنها مشتل ومفرخ للإرهابيين، فالمغرب يعرف وجود “كتاتيب” تروج للفكر المتشدد، بل تلقى دعما سياسيا من بعض الأحزاب.
3 – إعادة النظر في كافة المناهج الدراسية، وتنقيتها من الأفكار التي تحرض على العنف والعنصرية، وتمجد التيارات الوهابية التي ظلت طيلة عقود تتكفل بغسل أدمغة الأجيال.
4 – الحزم في تطبيق القانون على مواقع التواصل الاجتماعي، ففي كل حادث يظهر أشخاص يبررون العنف والكراهية أو يحرضون عليهما، بدعوى “الدفاع عن الإسلام ورفع رايته” و”تنفيذ شرع الله”.
إن الإرهاب ورم خبيث، لا يحتاج إلى مضادات حيوية، بل إلى الاستئصال من الجذور، لأنه عدو فتاك، يسعى إلى تخريب الاقتصاد لإيقاف بناء المغرب الحديث، والمساس بجوهر المسار الديمقراطي، وهو ما يستوجب القيام بإجراءات مكثفة وسريعة لتجفيف منابعه، فلا تسامح مع فكر همجي لا يقبل التسامح ولا مهادنة مع قتلة لا يجيدون إلا لغة الدم.
إن المصاب جلل، ولا يسعنا هنا إلا أن نتقدم بالتعازي إلى عائلتي الضحيتين، اللتين لا شك أنهما أحبتا هذا الوطن، وحلتا به ضيفتين آمنتين، إلى أن طالتهما أيادي الغدر، وأعادتهما إلى بلديهما جثتين هامدتين. عزاؤنا أيضا لكل من ذبحت همجية القتلة موارد أرزاقهم، من سكان إمليل الجبلية، الذين كانوا يعيشون على عائدات السياحة، وتحولوا، في لحظة، إلى عاطلين، وغيرهم ممن ستطولهم، لا محالة شظايا هذه الجريمة النكراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق