fbpx
حوادث

ابتدائية كلميم … الحكمة قبل الحكم

الاستماع إلى أطراف النزاع بروية ومواقف كشفت إنسانية القضاة وحنكتهم

إنجاز : محمد بها – (موفد الصباح إلى كلميم)

الساعة تشير إلى الثانية والنصف بعد الزوال، بالقاعة رقم 1 بالمحكمة الابتدائية بكلميم، تقدم رجل للبدء في ترتيب ملفات التقاضي، بعدها بلحظات بدأ المتقاضون وعائلاتهم بالتوافد على القاعة، منهم من جاء لمتابعة جلسة محاكمة ابنه أو قريب له، ومنهم من يسعى فقط للاستئناس بقصص جرائم وخلافات لعله يأخذ الموعظة منها، فالحكمة قبل الحكم شعار يتوحد فيه القاضي والمتقاضون وعائلاتهم.

لحظات هدوء تعم القاعة 1 بالمحكمة الابتدائية بكلميم، سرعان ما كسرها رئيس الجلسة الذي أعلن افتتاحها باسم جلالة الملك، معلنا عن بدء النظر في الملفات المعروضة أمامه رفقة هيأة المحكمة للبت فيها.

بالقاعة 1 بدأ رئيس الجلسة في الإعلان عن أرقام الملفات المعروضة أمامه، مناديا في الوقت نفسه على أسماء المتهمين الذين يوجدون في حالة اعتقال وكذا أسماء هيأة الدفاع التي تنوب عنهم وعن الضحايا.

وخلال الساعات الأولى من جلسة المحكمة بالقاعة 1 أجل رئيس الجلسة مجموعة من الملفات إلى تواريخ لاحقة لأسباب تتعلق بعدم الجاهزية، أو عدم توفر المتهم على محام ينوب عنه.

“كلا وهمو”

لا يمكن لزائر هذا الفضاء التابع لمنظومة القضاء إلا أن يثير انتباهه انتظام مجموعة من النساء والرجال والشباب في الكراسي المخصصة للعموم لمتابعة أطوار جلسات مثول المتهمين ومرافعات دفاعهم.

جرائم الاعتداء بالضرب والجرح والاغتصاب والسرقة وترويج المخدرات والخيانة الزوجية والعنف ضد الأصول والتهرب من النفقة وإصدار شيكات بدون رصيد وإدخال الممنوعات إلى السجن، كلها أسباب جاءت بنساء ورجال كبار في السن إذ تزاحموا في الكراسي المخصصة لمتابعة أطوار جلسات مثول المتهمين ومرافعات دفاعهم، كما هو الحال بالنسبة إلى عائلات المطالبين بالحق المدني، إذ تتوحد أسر المتقاضين في متابعة وانتظار مآل ملفاتهم المعروضة على المحكمة.

العنف ضد الأصول

تميزت جلسة القاعة 1 بالتطرق إلى ملف استأثر باهتمام بالغ من قبل المتتبعين الذين غصت بهم القاعة، إذ ما إن مثل أمام القاضي متهم بجرائم ضد الأصول، حتى بدأت أسر المتقاضين تتداول بينها عبارات من قبيل “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” “ما بقى ما يعجب فهاد الدنيا…”.

وتقدم المتهم الذي لا يتجاوز عمره 19 سنة، في حالة اعتقال، أمام هيأة المحكمة، وأدلى بوثيقة تتضمن تنازلا من قبل ضحيته الذي لم يكن سوى والده البالغ من العمر حوالي 58 سنة.
وخاطب القاضي المتهم قائلا “نتا أصلا مخدر كثر من المرة اللي فاتت… ورغم أنك تتوفر على تنازل من قبل الأب، إلا أن ذلك لا يمنع من اعتقالك لأنك متابع من أجل ممارسة العنف ضد والدك وهو السلوك الذي تداوم عليه باستمرار…”.

ومثل الأب أمام القاضي بعد المناداة عليه وهو في حالة اجتماعية يرثى لها، وكشف جانبا من مسلسل المعاناة التي أضحى يعيش فصولها كل يوم، “المتهم رغم أنه فلذة كبدي إلا أنه لا ينفك عن الاعتداء علي وتعنيفي…بل إنه لا يجد أدنى حرج في إمطاري بوابل من السب والشتم بأقبح الأوصاف التي أستحيي من ذكرها أمامكم”.

ولأن الأب المغلوب على أمره وجد حرجا كبيرا في التلفظ بالعبارات المبتذلة التي يخاطبه بها ابنه في البيت أو حينما يهاجمه بعد عودته في حالة تخدير أو بمجرد امتناعه عن منحه المال المطلوب لاقتناء المخدرات ومشروب “ماء الحياة” ومادة “السيلسيون”، أشار عليه القاضي بالتوجه إلى جهة كاتب الضبط وإسماعه بصوت منخفض نوعية تلك الألفاظ.

وتسلم القاضي ما دونه كاتب الضبط وقرأ مضامين ما تعرض له الأب ضحية العنف، قبل أن يواصل الضحية سرد ما عاشه ويعيشه يوميا على يد الابن الذي تحول إلى كابوس يقض مضجعه ويهدده في حياته. لم يتمالك المتهم نفسه مقرا بندمه عما اقترفه من عنف في حق والده، الذي كان بجانبه والذي أعلن للقاضي تنازله عن مقاضاة فلذة كبده شرط ألا يكرر سلوكاته الشاذة تجاه من كان سببا في خروجه إلى هذه الدنيا “لا أريد منه التكفل بمصاريف البيت أو أي شيء من هذا القبيل، وإنما أرغب في احترامي وتوقيري وأن يتعظ من تجربة الاعتقال الاحتياطي”.

وبعد الاستماع إلى أقوال المتهم والضحية وتلقين القاضي درسا في الحياة للشاب المتهور، أعلن رفع الجلسة للتأمل والنطق بالحكم، وهو الحكم الذي قضى بإدانة المتهم عشرة أشهر حبسا موقوفة التنفيذ، وتمنى الأب أن يكون عبرة للابن ولمن تتبع فصول جريمة العنف ضد الأصول، مشيرا إلى أن فضاء المحكمة رغم ما يشكله من خوف إلا أنه مدرسة في الحكمة لمن يريد أن يستفيد.

مخدرات

من بين القضايا التي شهدتها قاعة الجلسات رقم 1 بالمحكمة الابتدائية كلميم، حالة شاب توبع في حالة اعتقال بعد ضبطه متلبسا في قضية تتعلق بإدخال ممنوعات من بينها “المخدرات” إلى أحد أفراد عائلته الذي يوجد رهن الاعتقال بسجن بويزكارن، بينما توبع شريكه المشتبه فيه في حالة سراح.

بعد الاستماع إلى المتهم الرئيس قرر رئيس الجلسة رفعها للتأمل والنطق بالحكم، وقضت المحكمة بإدانة المتهم المعتقل بشهرين حبسا نافذا نظرا لضبطه في حالة تلبس، بينما قررت منح صديقه المشتبه فيه البراءة من تهم المشاركة في جنحة إدخال الممنوعات إلى السجن بعد ظهور معطيات تفيد بألا علاقة له بالواقعة جملة وتفصيلا.

ملفات كثيرة

لا مجال للراحة أمام كثرة الملفات المعروضة أمام القاضي، هي ساعات طويلة قضتها الهيأة القضائية والمحامون، بدءا من عرض ملف المتهمين ومثولهم أمام القاضي للاستماع إليهم حتى موعد تأجيل الملف إلى جلسة لاحقة، سبب غياب طرف ما أو منحهم فرصة توكيل محام للدفاع عنهم، وهو ما جعل رئيس الجلسة وممثل النيابة العامة وكاتب الضبط يواجهون التعب البادي عليهم بسبب كثرة الملفات وطول مدة مرافعات المحامين، الأمر الذي جعل القاضي يرفع الجلسة للاستراحة بضع دقائق ثم إكمال الملفات ورفع الجلسة مرة أخرى للتأمل قبل أن تعود الهيأة القضائية وينطق القاضي بالأحكام في حق المتقاضين.

تنظيم محكم

يكفي زائر المحكمة الابتدائية بكلميم التنقل بين فضاءاتها حتى يقف بنفسه على التنظيم المحكم الذي يطبع سير جلساتها وكذا الهدوء الذي يطبع أروقتها، إذ يحرص الموظفون والعاملون على تقديم شروحات ومساعدات لكل مرتفق مرتبك أو يسأل عن توقيت انطلاق جلسة ما، وهو ما يؤكد أن المحكمة تحرص على التطبيق السليم للخدمة الإدارية وتجويد خدماتها.

صمت مطبق

يتميز مرتفقو المحكمة الابتدائية بكلميم عن غيرها بالمدن الكبرى، باحترامهم قانون متابعة ما يدور في جلسة المحكمة، إذ تحرص النساء والرجال على تتبع كل صغيرة وكبيرة في القاعة حتى لا تنفلت منهم أي معلومة تخص ملف قريب لهم أو فلذة كبدهم.

ومن خلال تتبع طاقم “الصباح” لفصول المحاكمات التي جرت أطوارها بابتدائية كلميم، تبين أن الصمت المطبق واحترام قانون الجلسة، ممارسات يحرص الصحراويون على الالتزام بها، حتى لا يتم التشويش على أجواء المحاكمة.

ترقب وقلق

بمجرد أن يفتتح رئيس الهيأة الجلسة تنطلق فصول مثيرة من مسلسل بعنوان “الانتظار والترقب”، هي حياة صعبة مليئة بالقلق والخوف وحيرة القلب، إذ تعيش أسر وزوجات وأولياء أمور المتهمين معاناة صعبة، تتمثل في قضاء ساعات طويلة في المحكمة، بدءا من انتظار موعد عرض ملفهم ومثولهم أمام القاضي للاستماع إليهم حتى موعد رفعه الجلسة إما للتأمل أو النطق بالحكم الذي تتسارع معه دقات القلب لسماع النطق بقرار هيأة المحكمة أو تأجيل الملف إلى جلسة لاحقة.

تقاسم المحن

لا تخلو أي جلسة في المحكمة الابتدائية بكلميم من ردة فعل عائلات المتقاضين، إذ بمجرد رفع الجلسة إما للاستراحة أو بعد إعلان حكم القضاء، يتحلق خارج القاعة رجال ونساء وهم يتحدثون عن مشاكلهم وأسباب مجيئهم إلى المحكمة، ومآل قضيتهم، وهو ما يحول ممرات المحكمة إلى فضاء للاستشارات القانونية والطب النفسي بعد مشاركة المتقاضين وأسرهم وذوي المعتقلين المحن التي دفعت بهم إلى التردد على ردهات المحاكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى