fbpx
افتتاحية

“الحراكة” الكبار

لا ينبغي، دائما، أن ننظر إلى الأزمات في جانبها السلبي، بل هناك جوانب أخرى “إيجابية”، أقلها أنها تشكل أداة لقياس منسوب الوطنية والانتماء لدى بعض “المقيمين” في هذا البلد، من طينة المستغلين لخيراته وثرواته وإعفاءاته واستثماراته وقروضه في حدودها القصوى، وحين يحسون بأدنى خطر يقفزون من شقوق السفينة مثل جرذان.
في الأزمات وحدها، يحدث الفرز الحقيقي بين مغاربة يضعون أياديهم على قلوبهم خوفا على وطن ومستقبله ويبذلون كل ما في وسعهم لتجاوز المطبات وإيجاد حلول، وبين أشباه “مغاربة” يضعون أياديهم على جوازاتهم وجوازات أبنائهم وزوجاتهم، ويتسلحون بتذاكر رحلات (مدفوعة الثمن من أموال الشعب في غالب الأحيان)، و”يحركون” حتى تهدأ العاصفة ويعودون.
فمنذ أشهر، بدأ البعض يقتنع أن المغرب يعيش أزمة اجتماعية واقتصادية حقيقية، وعليه أن يهرب بجلده قبل فوات الأوان، علما أن تمثلات الأزمة تختلف من مواطن إلى آخر ومن فئة إلى أخرى حسب السياقات والظروف، وقد تكون أحيانا مجرد “حالة نفسية”، لكنها تكون كافية لرسم صور مخيفة وجبانة لدى “المقيمين”، فيسارعون إلى الهرب في أول مركب.
إنهم فئة من “الحراكة” الكبار الذين لا يحتاجون إلى قوارب موت، أو خطط سرية لهجرات غير مشروعة، كما لا يغامرون وسط أمواج البحر وسط خوف رهيب من الغرق وأسماك القرش، بل يحتاجون فقط إلى زر سحري يضغطون عليه لتُفتح لهم السفارات والقنصليات وحدود الدول والتأشيرات، فيختارون أحسنها ثم يرحلون.
فبالنسبة إلى هؤلاء، الوطن بقرة قابلة للحلب والشفط في كل الأوقات، وفي أحسن الأحوال بورصة يتداولون فيها أرباحهم وأسهمهم واستثماراتهم المقتطعة من الميزانيات العمومية، وحين تهوي البورصة، أو تتغير الظروف، ينقلون الأسهم نفسها إلى بورصات أخرى، مثل أي قراصنة يطاردون الغنائم في كل مكان.
في زحمة الأحداث، لا ننتبه عادة إلى بعض من هؤلاء، لأنهم موجودون بيننا فقط بأجسادهم وعيونهم التي تتحرك في المحاجر بحثا عن “الهمزات”، في وقت كان من المفروض أن يسارعوا لرد بعض الجميل إلى بلد وفر لهم جميع شروط الاستثمار المنتج للملايير، وفتح لهم أبواب الرخص ووضع رهن إشارتهم مساحات شاسعة من العقارات والأراضي الفلاحية والمقالع و”الكريمات” والتسهيلات ومتعهم بإعفاءات ضريبية بعشرات ملايين الدراهم.
ليست المرة الأولى التي يمر فيها المغرب من أزمة اقتصادية يتفق الجميع على أنها لا تصل إلى مستوى السكتة القلبية.
ولا يتردد المغاربة الشرفاء في مد يد العون من أجل تجاوز بعض تداعياتها والتخفيف من وطأتها، ولا أدل على ذلك من المبادرات التي ما فتئت أعلى سلطة في البلاد تعلن عنها لتحريك العجلة وإيجاد مناصب شغل للعاطلين وحملة الشهادات ورفع مستوى النمو (آخرها مشروع ضخم لإنتاج 160 ألف سيارة في المغرب سنويا في أفق 2020).
في المقابل، توجد فئة أخرى من الانتهازيين والوصوليين وعديمي الضمير الذين يعتبرون ما يحدث في المغرب، اليوم، لا يعنيهم، فينكمشون ويكنزون ما جمعوه من أموال في الصناديق الحديدية، في انتظار انتهاء الأزمة، فيعودون للاغتراف من خيرات الوطن من جديد.
إلى كل هؤلاء نقول لا توجد منطقة وسطى بين الوطن والانتهازية، فإما أن نكون وطنيين أو خائنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى