fbpx
حوادث

عزيزة… من حالمة بالأمومة إلى بعبع

الحكاية ابتدأت من تبني رضى واختطاف رضيعة مستشفى الهاروشي وطفل آخر قبل واقعة خديجة

إنجاز: محمد بها

“اللي بغاها كلها يخليها كلها” حكمة مغربية تصلح لأن تكون ملخصا لحكاية عزيزة التي حولها شغفها بالأمومة لإسعاد زوجها إلى مجرمة يهابها الكبار والصغار بعدما تخصصت في اختطاف الأطفال، قبل أن تسقط في أيدي الشرطة وتخسر كل شيء في حياتها. بداية الحكاية كانت حينما عاشت عزيزة البالغة من العمر 46 سنة حياة اليتم، فبعد بلوغها سنتين من عمرها توفيت والدتها وهو ما جعل والدها ينتقل بها إلى حي سباتة بالبيضاء، وخلال بلوغها سن العشرين رزئت في والدها الذي وافته المنية وهو ما جعلها تعيش الوحدة والعزلة.

بعد مرور سنوات، تمكنت عزيزة من الزواج برجل وسكنت رفقته بالمحمدية إلا أنه خلال عشر سنوات التي قضتها في بيت الزوجية عانت مشكل العقم، ولأنها لم تتوفق في الإنجاب قرر شريك حياتها الانفصال عنها، لتشد الرحال إلى العاصمة الاقتصادية.
استقرارها بالبيضاء جعلها تفكر في كيفية التوفر على طفل لعلها تعود إلى زوجها، وهو ما جعلها تقيم علاقة جنسية غير شرعية مع شخص آخر، فالرغبة في الإنجاب كانت قوية لديها.
رغم إقامتها علاقة غير شرعية إلا أن مشكل الإنجاب مازال قائما بسبب عقمها الذي تعانيه، وهو ما جعل فكرة تبني طفل تسيطر على عقلها، وبعد بحث مستفيض تمكنت من العثور على أم عازب واتفقت معها لكي تسلمها ابنها، وبمساعدة ممرض تمكنت من أخذ ذلك الرضيع، الذي ربته إلى أن بلغ 12 سنة.
حاولت عزيزة نسب الطفل إلى زوجها الأول إذ ادعت أنه من صلبه إلا أنه فطن لكذبها إذ واجهها بأنها عاقر ولا يمكن لها الإنجاب وبالتالي فهي حيلة للرجوع إليه، وأكد لها أنه يستحيل العودة إلى بعضهما البعض لأنه تدبر أمره وتزوج امرأة أخرى أنجبت له أبناءه الذين كان يحلم بالتوفر عليهم.
بعد مرور الوقت، أقامت علاقة جنسية غير شرعية مع عبد النبي الذي كان يقيم معها تحت سقف واحد، إذ كان كلاهما يعمل من أجل قوت اليوم، فعزيزة اشتغلت في بيع الخبز والفطائر ومرة أخرى في تنظيف البيوت، فيما عشيقها كان يعمل في مجال الأفرنة.

رضيعة الهاروشي
أحبت عزيزة خليلها عبد النبي واتفقت معه على اختطاف رضيع من مستشفى الأطفال عبد الرحيم الهاروشي بالبيضاء، بعد الاتفاق مسبقا على بيعه إلى عائلة ميسورة تعيش خارج أرض الوطن.
خططت المرأة رفقة شريكها جيدا لعملية الاختطاف ومكنها دخولها المستشفى ومعاينتها لكيفية عمل الممرضين وتعاملهم مع عائلات الأطفال والرضع من تقمص دور ممرضة في اليوم الموالي من 2016، فخلال استكمال إجراءات خروج إحدى الأمهات ومولودتها، وعند مغادرة الأسرة لمصلحة الولادة استدرجتها امرأة مجهولة إلى فضاء حديقة المستشفى، موهمة إياها أنها ممرضة وأنها بحاجة لإجراء تحاليل لفائدة الرضيعة، ولكي تنطلي الحيلة على الأم وأسرتها طلبت منهم تسليمها المولودة والعودة إلى جناح الولادة وهو ما تمت الاستجابة له دون تردد، وبعد ما طالت عملية الانتظار عادت الأم والأسرة إلى المكان نفسه إلا أنها لم تجد الممرضة المزعومة والرضيعة، ليتبين لهم أنهم وقعوا ضحية عملية اختطاف.
حينما كانت أسرة الرضيعة تندب حظها وتصرخ من ألم اختفاء فلذة كبدها، استطاعت عزيزة الفرار بسهولة بعد أن استقلت سيارة أجرة وربطت الاتصال بخليلها الذي ساعدها على إخفاء الرضيعة، إلا أنه أمام تحول عملية اختطاف الرضيعة إلى قضية رأي عام وأمام الضغط الأمني والإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعي قررت المتهمة العدول عن بيعها لتلك الأسرة خوفا من وقوعها في أيدي الشرطة، إذ أرجعت الرضيعة وتخلت عنها في مكان آخر، لتعود المختطفة إلى حضن والديها دون التمكن من التوصل إلى هوية المتهمة التي أصبحت لغزا محيرا ينتظر المتتبعون فكه لإشباع فضولهم.

حياة جديدة
استغلت عزيزة عدم اتضاح ملامحها للشرطة في العيش حياة جديدة دون منغصات، إذ واصلت تدبر يومياتها بشكل عاد رفقة خليلها عبد النبي، وبعد مرور سنتين بدأت تظهر بعض المشاكل بين العشيقين فالخصام كان مسيطرا على حياتها العاطفية وهو ما حدا به إلى الغياب عن البيت.
ولتفادي الصراع مع عشيقها الذي عاد إلى التصالح معها، اختطفت طفلا يبلغ من العمر حوالي سنة ونصف من حي الوفاق بالألفة، بعدما استدرجه القاصر الذي تبنته، إذ أحضرت الطفل المختطف محاولة إقناع عبد النبي بأنه ابنه لكنه واجهها بأنها لا تستطيع الإنجاب.
احتفظت بالطفل لأيام إلا أنه كان دائم البكاء ولأنه سبب لها إزعاجا كبيرا وخوفا من انكشاف أمرها، قررت إرجاعه إلى مكان قرب محل سكنه الذي اختطفته منه.

اختطاف خديجة… مفتاح اللغز
ولأن عزيزة أدمنت اختطاف الأطفال لم تجد بدا من القيام بعملية أخرى دون أن تدرك أنها ستكون مفتاحا للغز قضية رضيعة الهاروشي التي حيرت مصالح الأمن والمتتبعين بسبب عدم التوصل إلى هوية المختطفة والمتورطين، ففي 24 شتنبر الماضي راودت المرأة فكرة اختطاف الطفلة خديجة الخزري، فالمتهمة سبق لها أن كانت تقطن ببلوك المعلم عبد الله بحي الألفة بالبيضاء، وابنها القاصر الذي تبنته كان يشتغل لدى “عطار”، على دراية بالحي وتفاصيل سكانه، وهي عوامل شجعتها على القيام بعملية الاختطاف.
واستغلت المتهمة عزيزة القاصر الذي تبنته في استدراج الطفلة خديجة، فالطفل رضى البالغ من العمر 14 سنة كان يطعم مجموعة من القطط الموجودة بسوق دلاس ويتكرم عليها بالحليب وهو ما كان يثير فضول خديجة التي تقترب لمعاينة العملية، قبل أن يقرر بعد أيام استدراجها بإغراء شقيقها ذي الأربع سنوات بقطع من الحلوى، حاثا إياه على العودة إلى والدته، مدعيا أنه سيوصلها إلى المدرسة، قبل أن تسلك الأمور اتجاها آخر ويسلمها لمربيته المتخصصة في اختطاف الأطفال.
بمجرد أن أصبح حادث اختطاف الطفلة خديجة البالغة من العمر خمس سنوات قضية رأي عام، شكلت الأبحاث الأمنية والحملة الواسعة المنظمة من قبل وسائل الإعلام ونشطاء موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” ضغطا رهيبا على المتهمة التي قررت بعد خمسة أيام من احتجاز الضحية خديجة إعادتها إلى المكان الذي اختطفتها منه أول مرة، مخافة افتضاح أمرها ووقوعها في أيدي الشرطة.
في صباح السبت 27 شتنبر الماضي، تخلت المتهمة عزيزة عن الطفلة خديجة، في مكان خلاء قرب السوق الذي يوجد بحيها، وحينما شاهد أحد أبناء الحي الطفلة هرع مسرعا إليها ومن شدة فرحه بعودتها سالمة نسي تعقب المرأة وابنها القاصر، وهو ما استغلته المتهمة ومرافقها للهرولة إلى وجهة مجهولة.

أمن الحي الحسني يفك اللغز
تفاعلت المصالح الأمنية بالحي الحسني مع تطورات القضية، وشملت الأبحاث مختلف أنحاء الحي وباستغلال تسجيلات الكاميرا القريبة من مسرح الحادث، وإفادات الشهود ومعطيات تتعلق بالقاصر الذي كان يتردد على السوق لإطعام القطط واختفائه المفاجئ من محل “العطارة” الذي يعمل به، عوامل جعلت الشرطة تركز على المعطيات الجديدة للوصول إلى المتورطين في قضية اختطاف الطفلة خديجة.
وتم إنجاز صور تقريبية للمتهمة التي كانت تنتحل اسم خديجة لخداع الطفلة المختطفة وللتمويه على الأمن لتفادي إيقافها، وأظهر الرسم التقريبي وجود علاقة تقريبية للمتهمة التي شكلت موضوع بحث منذ 2016. واعتمادا على حنكة عناصر الشرطة القضائية التابعة لمنطقة أمن الحي الحسني بالبيضاء وبتنسيق مع عناصر “ديستي” والفرقة الجنائية الولائية استطاعت المصالح الأمنية تشخيص هوية المتهمة وتم التوصل إلى عنوان مسكنها بحي الرحمة، ليتم إيقافها رفقة القاصر قبل أن يتم إيقاف خليلها في مكان آخر.

“مول المشاش”
بعد عودة خديجة إلى أحضان والدتها، انصبت الشكوك حول أن يكون القاصر الذي اصطحبها قد تم تسخيره لفائدة جهات مجهولة، خاصة في ظل اختفاء أحد القاصرين من مسرح الجريمة ولم يعد يطعم القطط كما كان يفعل قبل واقعة الاختطاف، وهو الأمر الذي ينطبق على الطفل رضى الذي انقطع عن العمل فجأة من محل العطارة الذي يشتغل فيه بالحي القريب من بيت أسرة الطفلة المختطفة.

مواجهة واعتراف
اعترفت المتهمة عزيزة بخطف الطفلة خديجة واحتجازها إلا أنها حاولت إنكار باقي التهم الموجهة إليها خاصة المتعلقة باختطاف رضيعة مستشفى الهاروشي، إلا أنه أمام مواجهتها بالأدلة المتعلقة بملابسها ونعليها اللذين كانت ترتديهما خلال عملية اختطاف الرضيعة في 2016 وكذا بالأوصاف الظاهرة، اضطرت إلى الاعتراف بتورطها في القضية، وكشفت أنه باتفاق مع خليلها عبد النبي كانت تهدف من عملية الاختطاف إلى بيع الرضيعة إلى عائلة مهاجرة ميسورة تقطن خارج المغرب.
واعترفت عزيزة التي شكلت عملياتها المنظمة كابوسا مرعبا للأسر البيضاوية وأطفالهم، باحترافها جرائم الاختطاف منذ سنوات، فالأولى انطلقت مع القاصر رضى الذي اختطفته من مستشفى بمساعدة ممرض وربته إلى أن بلغ من العمر 14 سنة، قبل أن تعمد إلى اختطاف رضيعة مستشفى الهاروشي والعملية الثالثة تمثلت في اختطاف طفل بحي الوفاق، فيما كان اختطاف الطفلة خديجة آخر عملية وضعت حدا لسلسلة جرائمها المرعبة.

نهاية القصة
علمت “الصباح” من مصادرها، أن القاصر الذي استغلته عزيزة في استدراج الأطفال لاختطافهم، تقررت إحالته على مركز خيري، باعتباره ضحية وفاعلا معنويا لانعدام مسؤوليته، فيما تقررت متابعة الممرض في حالة سراح، وأحيلت المتهمة وخليلها على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالبيضاء بجناية تكوين عصابة إجرامية والاتجار في البشر والرشوة والفساد وإقامة علاقة غير شرعية والاختطاف والاحتجاز واستغلال قاصر في استدراج الضحايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى