fbpx
بانوراما

سجال في التدين … تعدد الزوجات ليس سنة

سجال في التدين 8

ما معنى أن أكون إنسانا متدينا؟ هل يعني التوقف عن التفكير وخلع العقل عند باب المسجد، قبل الدخول مثلما أخلع النعل، هل يعني شل الإرادة أو تسليمها للشيخ أو السلف، هل معناه فقد الوعي والإغراق في الغيبوبة، عند سماع ذوي الأدعية الصاخبة؟ هل معناه أن يكون المسلم كارها للدنيا نابذا للحياة، لاعنا للمتع محتقرا للجسد متشبعا بثقافة الموت والكآبة؟

أسئلة جريئة يطرحها سعيد ناشيد، الباحث المختص في قضايا الفكر الديني، ويحاول مناقشتها من خلال عناوين ومظاهر عدة تحت عنوان التدين العاقل، وهي قراءة مستفزة تسائل العقل الإنساني في علاقته بالدين، من قبيل طرح علاقة الإسلام بالفطرة.

يتساءل ناشيد “متى كان الرقص ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان الاختلاط أو الغزل والتغني بالحب ضد الطبيعة البشرية؟ ومتى كان السؤال والتساؤل والشك والاندفاع نحو المجهول ضد الطبيعة البشرية؟
يقول الباحث ناشيد “عندما تملي علينا تصوراتنا الدينية واجبات ضد طبيعتنا الإنسانية، فإننا ندفع بأنفسنا إلى أحد الخيارين، إما ممارسة النفاق الاجتماعي، بحيث نعيش حقيقتنا في الخفاء، ونرضي السلطة الآمرة في العلن، أو أننا نلزم أنفسنا بما لا يلزم فنشل عقلنا ونشوه طبيعتنا ونخرب فطرتنا.
ويبقى البديل هو أحد الخيارين، إما النفاق الذي قد يبلغ حد الانفصام أو التعصب الذي قد يبلغ درجة الغلو في الدين. وأما الحل، حسب ناشيد، فهو ما يسميه خيار التدين العاقل.

«انكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع» حرفت عن سياقها

قد يبلغ الأمر بالبعض حد اعتبار تعدد الزوجات في مقام الفريضة الدينية، من أنكرها كأنه أنكر معلوم الدين بالضرورة، أو كأنه على أقل تقدير، كفر بجزء من الدين، والكافر بالجزء كافر بالكل في الحساب الأخير؛ ومن عطلها بلا إنكار فلا شك أنه يعمل على نشر الرذيلة والإباحية والفجور!
يقول الباحث ناشيد “حين نراجع الموروث الفقهي على علاته واختلالاته، بعين فاحصة دارسة، نجد الأمر مجرد تضخيم ممتزج بغرائز الرواة وهواجس الفقهاء. فرسول الإسلام في زواجه الأول من خديجة لم يمارس التعدد.

وقد كان وقتها في ريعان شبابه. وسوف لن يلجأ إلى التعدد إلا بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات عن وفاة خديجة، وهي التي يعتبرها المتن الحديثي ثاني سيدات أهل الجنة بعد مريم، في تناقض صارخ مع اللائحة “الرسمية” للعشرة المبشرين بالجنة والتي لا تضم أي امرأة على وجه الإطلاق.

بعد ذلك، كان طبيعيا أن يفكر رسول الإسلام في تكوين أسرة جديدة، سيما بعد زواج ابنته فاطمة الزهراء، ومكوثه وحيدا في البيت.
أفلا تبدو الأمور واضحة بهذا النحو؟ لكن ماذا حدث فيما بعد؟ شاءت الأقدار ألا يكون للرسول أي ولد من كافة زوجاته اللاحقات، بصرف النظر عن عددهن بالجمع أو بالتوالي.
لذلك نفهم رده القوي على عائشة حين لاحظت تعلقه بذكرى خديجة بعد انقضاء سنوات طويلة عن وفاتها، فقالت له ما معناه: أبدلك الله خيرا منها، مستعملة حسب بعض الروايات عبارات قاسية في حق خديجة.

لكن الرسول أجابها بصرامة “ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد الناس” رواه أحمد.

ما معنى أن يختم احتجاجه على عائشة بالعبارة: رزقني الله ولدها، إذ حرمني ولد الناس؟؟ تضعنا هذه العبارة فعلا أمام فرضية معقولة تقول: إن كل ما كان يبحث عنه الرسول هو الإنجاب وليس التعدد، وذلك في عصر كانت فيه التقنيات الطبية في مستويات الفحص والتشخيص والعلاج لا تزال بدائية، بمعنى، كل ما كان يبحث عنه الرسول أن يكون له أولاد من صلبه، وهذا إما لأسباب نفسية أو لاعتبارات اجتماعية، أو لدوافع وجودية كما هي أحوال الكثيرين، وهو ما لم يُكتب له رغم كل محاولاته.

أما بصدد الآية الشهيرة {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} النساء، الآية 3، فلا يليق بنا الوقوف عند ويل للمصلين، لأن الآية تقول {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} النساء، الآية 3.

الأصل في بناء الجملة وأساسها هو فعل الشرط، {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى}. يتعلق فعل الشرط هنا بكفالة اليتيم، وهي حالة بالغة الدقة والخصوصية، إذ كان الرجل يتطوع للتكفل بيتامى لديهم غالبا أمهات أرامل.

لكن، لأسباب تتعلق بسوء تدبير الغرائز قد يشعر المتكفل باليتامى بانجذاب إلى أمهاتهم، فلا يقوى على رعايتهم كما ينبغي بدون زواج من أمهاتهم.. فجاءت الآية “متفهمة” على أساس ضمان حقوق اليتامى أولا. بحيث يكون معنى الآية على النحو الآتي: أيها الرجال المتكفلون بالأيتام، إذا كنتم لا تستطيعون الاستمرار في رعاية اليتامى كما ينبغي من دون أن تنكحوا أمهاتهم، فانكحوا ما طاب لكم، وعبارة “ما طاب لكم” تحيل إلى التوافق كشرط إضافي في المسألة.

لكن الشرط الأصلي يبقى هو: كفالة اليتيم. المعنى واضح وصريح، لذلك نقول، أن يختار الشيوخ والفقهاء والدعاة الاحتفاء الغريزي/ الذكوري/ القضيبي بـ”مثنى وثلاث ورباع”، خارج الشرط الأصلي الذي هو كفالة اليتيم، فهذا يعني بالواضح أن الآية تعرضت في سياق الموروث الديني والفقهي لانزياح غريزي كبير، على أثره انتقل مركز الثقل في الآية من فعل الشرط (كفالة اليتيم) إلى جواب الشرط (تعدد الزوجات)، وأصبح جواب الشرط بقدرة غرائز الشيوخ – وما أدراك ما غرائز الشيوخ!- هو المنطلق والمنتهى.

ويخلص الباحث إلى استنتاج أن الرسول الإسلام مارس تعدد الزوجات بعد موت زوجته خديجة، وزواج فاطمة، وخلو بيته، لكن لم يمارسه بسبب أي هوس جنسي مزعوم، بل مارسه بحثا عن الإنجاب الذي لم يكتب له.

غير أنه –وهذا ما يجب الإقرار به- لم يدع إلى التعدد، ولم يحرض عليه، ولم يمجده، ولم يوص به في أي مناسبة من المناسبات، بل، على الأرجح، ربما بخسه في الكثير من المناسبات، ضمنها لما تقدم علي بن أبي طالب لخطبة ابنته فاطمة الزهراء، فاشترط عليه ألا يتزوج عليها بأي امرأة أخرى.. وكان له ذلك.

برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى