fbpx
افتتاحية

فضيحة

لو حدث ربع ما حدث بطنجة في دولة أخرى تحترم مواطنيها وقوانينها ولها غيرة على صورة بلدها، لكان نصف أعضاء الحكومة في “خبر كان”، ومعهم جيش آخر من المسؤولين والمديرين ورؤساء المصالح والأطر العاملة بالمعابر والموانئ والإدارات المكلفة بالجالية، وفتحت، فورا، تحقيقات قضائية وأمنية لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات.
لكن في المغرب، يمكن أن يغرق آلاف المواطنين في البحر، دون أن تتحرك شعرة في جسد مسؤول حكومي، فبالأحرى شعوره بوخز الضمير، أو يعترف بأنه مقصر وغير كفؤ وعليه التنحي عن المسؤولية لفسح المجال لآخرين (لاحظوا مثلا كيف استقال وزير نقل سابق في كوريا الجنوبية فور علمه بخبر إضراب محدود في السكك الحديدية).
لن يصدق أحد ما حدث بميناء طنجة، منذ أربعة أيام، لكنه الواقع المر، وصورتنا الحقيقية وانجازاتنا على أرض الواقع، إذ ابتلينا بمسؤولين أفواههم واسعة، حين يتحدثون تخالهم رجالا قوامين، لكن عند الامتحان يذلون، ويتحولون إلى نعام تخبئ رؤوسها في الرمال حتى تمر العاصفة.
إنها فضيحة بكل المعايير أن يعجز بلد، كان بالأمس القريب يتنافس أمام شاشات العالم على احتضان أكبر تظاهرة رياضية في كرة القدم، عن تأمين عبور 10 آلاف سيارة وحوالي 50 ألف مواطن قضوا عطلتهم في المغرب وقرروا العودة إلى منازلهم وأعمالهم وتجارتهم ودراستهم في دول الضفة الأخرى.
فالصور التي تناوبت القنوات التلفزيونية والمواقع الاجتماعية والصحافة الوطنية على نقلها، منذ نهاية الأسبوع الماضي، أكثر من مخجلة، وتسائل الجميع دون استثناء، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير ملايير الدراهم التي ضخت في مشروع لا يملك خطة طوارئ عاجلة للتدخل في حال الأزمات الكبرى، كما لا يتوفر على الحد الأدنى من المرافق والخدمات وأشياء أخرى كشفت عنها “الصدفة”.
فقد شاهدنا جميعا صور أطفال وشيوخ ينامون في أوضاع لا إنسانية قرب السيارات وحاملات البضائع في طقس متقلب، وأخجلتنا صور نساء يغيرن ملابسهن خلف ملاءات، وأخريات يخرجن إلى الخلاء لقضاء حاجاتهن الطبيعية، كما أغضبتنا الظروف التي كان يتناول فيها آلاف المواطنين المغاربة وجبات غذائية بائتة، وهم يترقبون المجهول.
هذه الصور وحدها كانت كافية كي يقدم الوزير المنتدب المكلف بالنقل استقالته، بدل الاستمرار في إطلاق تصريحات عبر صفحته بـ”فيسبوك” من أجل التمويه وتغطية الشمس بالغربال.
وقبل بوليف كان من المفروض أن يضع مدير ميناء طنجة المتوسط المفاتيح ويذهب إلى منزله، وهو الذي برر هذا الاكتظاظ الاستثنائي بوجود ارتباك في البواخر وقلة التذاكر!
كما كان من المفروض أن يتنحى وزير النقل والتجهيز عن مهامه، ويعلن في ندوة صحافية عن فشله في تدبير مهمة سهلة لا تزيد عن توفير الظروف اللوجيستيكية والتقنية والبشرية والاجتماعية لتأمين عودة مواطنين مغاربة إلى ديارهم في الخارج، وقبلهم وبعدهم رئيس الحكومة الذي يبدو في مثل هكذا كوارث كـ “أطرش” في عرس صاخب.
للأسف لم يحدث أي شيء، ولن يحدث في بلد يعرف مسؤولوه أن لا أحد سيحاسبهم. إنه المغرب أجمل بلد في العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى