fbpx
حوادث

الإدارة القضائية في التنظيم القضائي الجديد

التفتيش المزدوج للمحاكم قد يطرح بعض الصعوبات والمشاكل العملية (3/3)

بقلم: سعيد بولهنا *

وأشارت المادة 22 إلى أن تحديد الهيكلة الإدارية للمحاكم يتم بنص تنظيمي بعد استشارة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وذلك في إطار المنظور الجديد لكتابة الضبط ،غير أن المشرع لم ينص على ما إذا كانت هذه الاستشارة إلزامية أم اختيارية، وما هو الأثر الذي سيترتب على ذلك في حالة عدم القيام بهاته الاستشارة .
ولا يقتصر منطوق المادة 19 على توحيد كتابة الضبط فقط، وإنما حددت المقصود بموظفي كتابة الضبط، حيث أدخلت ضمن هذه الفئة جميع العاملين بكتابة الضبط، وعلى اعتبار أن النظام الأساسي لكتابة الضبط ينص على أنها تشمل فقط ثلاثة أطر، وهي إطار المنتدبين القضائيين، وإطار المحررين القضائيين، وإطار كتاب الضبط، فإنه يمكن القول بمفهوم المادة المذكورة أن فئة المتصرفين والمهندسين والتقنيين الذين يتم توظيفهم بالمحاكم، ستمنح لهم صفة كاتب الضبط، مع ما ينتج عن هذه الصفة، خاصة في ما يتعلق بانجاز الإجراءات شبه القضائية لكتابة الضبط كالتبليغات، والاستدعاءات، وتحرير محاضر الجلسات وتنفيذ الأحكام إلى غير ذلك من الاختصاصات.

1 – التفتيش الإداري والمالي للمحاكم

يعتبر التفتيش الإداري والمالي للمحاكم من المسائل المستجدة بقانون التنظيم القضائي الجديد، وهكذا فإن المحكمة ستخضع لتفتيش مزدوج. تفتيش قضائي تمارسه المفتشية العامة للسلطة القضائية، وتفتيش إداري تمارسه المفتشية العامة لوزارة العدل، وذلك حسب منطوق المادة 100 من القانون المذكور، غير أنه حسب المادة نفسها، فإنه يمكن إجراء تفتيش مشترك بين الجهازين متى اقتضى الأمر ذلك .

يلاحظ من خلال هذه المقتضيات أن المشرع استحضر مبدأ الفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وعدم خضوع أي منهما للأخرى، إذ لا يتصور من الناحية المنطقية قيام المفتشية العامة لوزارة العدل بتفتيش القضاة، والعكس صحيح، ذلك أن كل من الجهازين يعملان في حدود اختصاصاتهما وإن اقتضى الأمر التنسيق بينهما في المسائل المشتركة .

غير أنه إذا كانت نية المشرع واضحة في التفرقة بين ما هو إداري وما هو قضائي من خلال ازدواجية التفتيش، فإنه بالرجوع إلى الفقرة الأخيرة من المادة 102 نجده خول للرؤساء الأولين والوكلاء العامين للملك، إضافة إلى الكاتب العام للمحكمة لمحاكم ثاني درجة، الحق في القيام شخصيا بالتفتيش الإداري للمحاكم، وهو موقف متناقض ومتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات، إذ كيف يسمح للمفتشية العامة للسلطة القضائية القيام بالتفتيش الإداري عبر مسؤوليها القضائيين، في وقت يمنع فيه على المفتشية العامة لوزارة العدل القيام بالتفتيش القضائي.

وبما أن المشرع أضاف في الفقرة الثالثة من المادة نفسها عبارة – كل في حدود اختصاصه – فإن المنطق السليم يفترض أن يقتصر التفتيش التسلسلي للمسؤول القضائي على القضاة على مستوى كل دائرة قضائية (الوكيل العام للملك لمحاكم ثاني درجة بالنسبة إلى قضاة النيابة العامة والرئيس الأول لمحاكم ثاني درجة بالنسبة إلى قضاة الأحكام وقضاة التحقيق) في حين يقتصر التفتيش الإداري على المسؤول الإداري ممثلا في الكاتب العام لمحاكم ثاني درجة، وذلك تماشيا مع إرادة المشرع في الفصل بين ما هو قضائي وما هو إداري والتي عبر عنها في العديد من المقتضيات في التنظيم القضائي الجديد.

وفي السياق نفسه، فإنه لا يفهم أيضا كيف أسس المشرع في المادة 106 لمقتضى يسمح للمسؤولين القضائيين، بإنجاز تقارير ضد موظفي كتابة الضبط في كل ما يمكن أن يعتبره إخلالا يستوجب المساءلة التأديبية، بالرغم من أن هؤلاء لم يعودوا خاضعين لسلطة رؤساء المحاكم، وهو الأمر الذي يجعل الموظف تحت رحمة المسؤول القضائي من جهة، ويتناقض من جهة ثانية مع المقتضيات السالفة الذكر التي تؤسس للفصل بين السلط، خاصة أن العديد من المواد تم تعديلها بلجنة العدل والتشريع التابعة لمجلس المستشارين، ومنها على الخصوص المواد من 110 إلى 114 عندما حذفت عبارة “سلطة ومراقبة المسؤول القضائي لموظفي كتابة الضبط ” لأن هاته السلطة أضحى يمارسها الكاتب العام للمحكمة، واكتفت فقط بالتنصيص في الصيغة النهائية، التي تمت المصادقة عليها، على ممارسة وكلاء الملك لسلطتهم على قضاة النيابة العامة وضباط وأعوان الشرطة القضائية من جهة، وعلى إشراف رؤساء المحاكم على جميع قضاة الأحكام العاملين بمحاكمهم من جهة أخرى، مبعدة بذلك كتاب الضبط من سلطة وإشراف المسؤول القضائي من جهة أخرى.

إن التفتيش المزدوج للمحاكم، قد يطرح بعض الصعوبات والمشاكل العملية، اعتبارا لارتباط عمل القضاة بالإجراءات التي تقوم بها كتابة الضبط، وسيظهر ذلك جليا على الخصوص في الحالات التي يباشر فيها كل جهاز التفتيش بشكل مستقل عن الآخر، وذلك على خلاف التفتيش المشترك الذي من شأنه أن يسمح عند القيام به من قبل الجهازين باتخاذ الإجراءات الاستعجالية والفورية عند الوقوف على كل إخلال مهني يمكن أن ينسب بشكل مشترك للقاضي والموظف.

يمكن القول إجمالا إن المشرع المغربي من خلال قانون التنظيم القضائي الجديد أعطى وضعا جديدا للإدارة القضائية، وهو وضع متقدم بالمقارنة مع القانون الحالي للتنظيم القضائي، وإن كان لا يعكس كليا تطلعات وطموحات أطر الإدارة القضائية، على اعتبار أن العديد من التعديلات التي تقدمت بها النقابات القطاعية والتي ترى أن من شأنها الارتقاء أكثر بكتابة الضبط أو الإدارة القضائية كمفهوم حديث، لم تؤخذ بعين الاعتبار ومن بين هذه التعديلات ما يتعلق بتعزيز صلاحيات واختصاصات كتابة الضبط وأجرأة دليل الوظائف والكفاءات وخلق جمعية عمومية على غرار الجمعية العامة للقضاة وتقرير الحماية الاجتماعية من الأخطار المهنية لموظفي المحاكم، وبشكل عام إعادة النظر في التنظيم الهيكلي لكتابة الضبط . غير أن هذه المطالب، إن لم تجد طريقها إلى التنظيم القضائي الجديد، فإن الأمل يبقى قائما لتدارك الأمر في ظل النقاش المطروح حاليا حول مشروعي قانون المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية والقوانين التي تشتغل عليها وزارة العدل، سواء فيما يتعلق بتعديل النظام الأساسي لكتابة الضبط أو المرسوم التنظيمي، الذي يتم الإعداد له حاليا بخصوص التنظيم الهيكلي للإدارة القضائية ومرسوم المديريات الفرعية.

*باحث في الشؤون القانونية والإدارية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى