fbpx
خاص

قضاة جطو يشرحون المستشفيات

مواعد في 10 أشهر وغياب خدمات أساسية وأدوية فاسدة

عشوائية التدبير والافتقار إلى إستراتيجية واضحة الأهداف ومحددة الإمكانيات والموارد، فضلا عن غياب التخصصات بما فيها تلك البسيطة، وطول آجال مواعد الكشف والاستشفاء، وتخزين كارثي للأدوية والمستلزمات الطبية يتنافى مع أبسط المعايير المتعارف عليها دوليا، مظاهر وغيرها، وقف عليها قضاة مجلس جطو في تقريرهم الأخير.

إنجاز: هجر المغلي

وضع كارثي

رسم التقرير السنوي الأخير للمجلس الأعلى للحسابات خلال 2016 و2017، صورة قاتمة عن وضع سبعة مستشفيات جهوية وإقليمية، من شمال المملكة إلى أقصى جنوبها، جعلت قضاة المجلس يخلصون إلى وجود العديد من الاختلالات الهيكلية تكاد تكون موحدة ومتطابقة في جميع المراكز الاستشفائية التي خضعت للفحص. اختلالات قالوا إن العديد منها سبق أن نبه إليه المجلس في تقارير سابقة منذ 2015، دون أن تتخذ الجهات الوصية التدابير اللازمة لتقويمها والحد من تداعيتها على المنظومة الصحية وعلى جودة الخدمات الصحية المقدمة.

وكشف قضاة جطو أن كل المستشفيات التي شملتها عملية الافتحاص (بالمركز الاستشفائي الجهوي بمراكش، أو الخاص بجهة العيون الساقية الحمراء، وحتى المركز الإقليمي للصخيرات تمارة، إلى جانب كل من المشفى الإقليمي لبركان، وللجديدة، ولمكناس، ومستشفى محمد الخامس التابع للمركز الجهوي بطنجة)، تعمل بدون تخطيط إستراتيجي، أي أنها تفتقر لأي وثيقة من شأنها تحديد الأهداف وتنظيم خدمات العلاجات وتحديد رؤية واضحة لآفاق تطورها، تمكن من تبيان حاجيات المراكز سيما في مجال الموارد البشرية.

من جهة أخرى عشوائية التسيير التي تعتمدها هاته المراكز تبدو أعمق وتأثيرها أخطر، في الشق المتعلق بمداخيل المستشفيات وسبل تحصيلها وتدبير نظام الفوترة، إذ كشف التقرير العديد من المشاكل المرتبطة بفوترة خدمات المراكز وبتحصيل مداخيلها، مسجلا، في بعض المراكز الاستشفائية، اختلافا بين الخدمات المفوترة وحجم الأنشطة الطبية والجراحية المسجلة، فيما ذهب إلى التنبه إلى أن أخرى لا تسجل مصلحة الاستقبال لديها، عددا من الخدمات المقدمة، فبالأحرى فوترتها، كما أن “استمارة الخدمات” في العديد منها لا تتضمن جميع الخدمات الطبية المقدمة للمريض، وعدم فوترة خدمات المستعجلات، كما تعرف معالجة ملفات الخدمات الاستشفائية وعملية الفوترة تأخرا كبيرا، فضلا عن سوء تدبير لملفات المرضى المؤمنين.

وفي سياق متصل، وقف المجلس الأعلى للحسابات على مشاكل مرتبطة بغياب العديد من التخصصات، التي يفترض أن تكون أساسية وقارة بكل المراكز، بدءا بالجراحة العامة، إلى تخصصات القلب والشرايين والمخ والرئة. وضع قال قضاة جطو إنه يساهم إلى جانب مؤثرات أخرى في تأخير آجال مواعد الكشف والاستشفاء التي تتجاوز في أحيان كثيرة عشر أشهر، لافتين إلى أن نظام الكشف، الذي يفرض العديد من الأطباء أن يتم في الفترة الصباحية، وتحديد بعض الأطباء إلى عدد المرضى المرتقب الكشف عليهم، إلى جانب الاقتصار على برنامج يضم حصة إلى حصتين على الأكثر في الأسبوع حسب التخصص، يساهم بدوره في تأخير الآجال، الذي أصبح مسلما به في كل المنشآت الصحية.

الجانب الصيدلاني، وتدبير الأدوية، حظي بدوره، بنصيب وافر من الجزء المخصص من التقرير للمراكز الاستشفائية الجهوية، ولم يخل من ملاحظات سلبية، دق من خلالها المجلس أجراس الإنذار وطالب بإعادة النظر في سياسة تدبير وتخزين الأدوية والمستلزمات الطبية، التي لا تتوصل العديد من المراكز بحصتها منها، ما يجعلها تعاني نفاد مخزون بعض الأدوية يستمر شهورا تفوق السنة أحيانا، في مقابل انتهاء صلاحية أدوية أخرى، يتم التخلص منها، وتخزين أخرى في ظروف يؤكد قضاة المجلس أنها تتنافى مع المعايير المعمول بها.

طول المواعد

وجه قضاة المجلس الأعلى للحسابات أصابع الاتهام مباشرة إلى الأطر الطبية والقائمين على برمجة حصص الكشف، محملين إياهم المسؤولية عن طول مواعد الكشف والاستشفاء التي قال التقرير الأخير إنها تتجاوز في العديد من الحالات 10 أشهر، ما يؤثر سلبا على جودة خدمات المؤسسات الاستشفائية، باعتبار آجال مواعد الكشف عنصرا مهما في تحديد مدى جودة الخدمات الصحية ومحددا أساسيا لفعالية ونجاعة التكفل بالمرضى.
وكشف القائمون على عمليات المراقبة التي استهدفت سبعة مستشفيات جهوية، أنه في الوقت الذي يعزى فيه طول آجال مواعد الكشف إلى نواقص في برمجة حصص الكشف، يتحمل الأطباء المسؤولية الأولى، إذ تبين “عدم وجود جميع الأطباء من التخصص نفسه خلال الأسبوع ذاته، فضلا عن تحديد حصة إلى حصتين في أحسن الحالات للكشف في الأسبوع لكل طبيب”، كما أن “حصر حصة الكشف غالبا في الفترة الصباحية، وتحديد بعض الأطباء لعدد المرضى في كل حصة كشف، يؤديان إلى ضعف في مردود هاته الأطر الطبية”.
وفي سياق متصل، أظهر رصد تدبير المستشفيات الخاضعة لتفتيش قضاة جطو تجاوز أجل المواعد 10 أشهر بالمركز الاستشفائي ببركان بالنسبة إلى طب الأنف والأذن والحنجرة وأكثر من ثلاثة أشهر لطب أمراض الروماتيزم، في الوقت الذي تبين من خلال مراجعة معطيات البرنامج المعلوماتي “موعدي”، طول آجال مواعد الكشف بالمستشفى العام بالجديدة تجاوزت سبعة أشهر ونصف بالنسبة إلى تخصصي أمراض القلب والشرايين وشهرين ونصف بالنسبة إلى جراحة الأطفال.  

غياب أطباء التخصصات

في الوقت الذي بحت فيه الأصوات في جهات المغرب الاثنتي عشرة، مطالبة بتقريب العلاج، ومستنكرة افتقار مراكز الاستشفاء إلى أبسط التخصصات التي تستوجب قطع مئات الكيلومترات تعمق مآسي رحلة العلاج، أكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات الواقع المرير الذي يعيشه ملايين المغاربة من مختلف ربوع المملكة، وخلص إلى أن العديد من المراكز الاستشفائية “لا توفر كامل الخدمات المرتبطة بمستواها في سلسلة العلاجات، في الوقت الذي تحدد فيه مراسيم قانونية المصالح والتخصصات الطبية اللازم توفيرها بكل مركز استشفائي حسب مكانته”. تخصصات لا تهم في حالات عديدة التخصصات المعقدة التي مازالت ممركزة في محور البيضاء الرباط، بل تهم في حالات كثيرة تخصصات بسيطة يفترض أن تكون معممة على جميع المستشفيات الجهوية والإقليمية. وفي السياق ذاته، وقف قضاة جطو على غياب تخصصات الجراحة العامة، في المركز الاستشفائي الجهوي بمراكش، فضلا عن علاج أمراض الرئة وجراحة المخ والأعصاب، علما أن الخدمات المقدمة في اختصاصات أمراض القلب والغدد تقتصر على العيادات الخارجية دون الاستشفاء، “فالمركز يتوفر على طبيب واحد فقط لكل تخصص”.
واقع مستشفى مراكش ينطبق على العديد من المستشفيات الجهوية والإقليمية، التي اضطر العديد منها إلى إغلاق عدد من مصالح التخصص به بسبب انتقال أو مغادرة الطبيب الوحيد الذي كان يدبر المصلحة، كما وقع في المستشفى الإقليمي ببركان الذي توقف عن تقديم الخدمات في مجال طب الغدد الصماء منذ متم 2015، بعـــــد انتقال الطبيب المختص دون تعويضه.

أدوية منتهية الصلاحية

تعتمد المراكز الاستشفائية في توريد الأدوية والمواد الصيدلية على الاقتناء المباشر، وعلى إمدادات وزارة الصحة، سواء عبر الصيدلية المركزية أو المديرية الجهوية أو المندوبية الإقليمية، ويمكن أن تلجأ، في بعض الأحيان إلى تبادل المواد الصيدلية في ما بينها. تبادل قال تقرير جطو، إنه يتم في غياب تأطير قانوني لعمليات التبادل، منبها في المقابل إلى أن إمدادات الصيدلية المركزية لا تلبي دائما احتياجات المستشفيات، سواء من حيث الكميات أو طبيعة الأدوية المسلمة، علاوة على أن عدم ضبط عملية الإمداد يؤدي في غالب الأحيان إلى نفاد مخزون بعض الأدوية كثيرة الاستعمال، في حين يتم إتلاف أدوية أخرى لانتهاء صلاحيتها.

وكشفت معطيات التقرير أنه في الوقت الذي قدرت فيه كميات الأدوية المسلمة من قبل مصالح وزارة الصحة سنة 2014، بأزيد من 14 مليونا و709 آلاف درهم، سجل مستشفى محمد الخامس بطنجة نفادا متكررا للمخزون، كما بلغت قيمة الأدوية والمستلزمات الطبية المنتهية الصلاحية خلال الفترة الممتدة من سنة 2011 إلى 2015، ما مجموعه مليونا و755 ألف درهم، فيما سجل نفاد لمخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والجراحية استمر لفترات طويلة قاربت السنة.
المشكل الأخطر، تضيف الوثيقة، يكمن في غياب أي تتبع أو مراقبة للاستهلاك النهائي من الأدوية والمواد الصيدلية المسلمة لمختلف المصالح، “فرغم أن كل مصالح المراكز الاستشفائية تتوفر على وحدات صيدلية خاصة بها، إلا أن أغلبها لا يمسك أي بطاقات جرد أو سجلات لتتبع كميات الأدوية، سواء عند تسلمها من الصيدلية المركزية أو حين استخدامها، كما لا يتم نهج أي طرق لتتبع استهلاك هذه الأدوية من قبل مسؤولي صيدليات المراكز الاستشفائية”.

إشكالية أخرى مرتبطة بتدبير القطاع الصيدلاني والأدوية، تهم أساسا البنيات التحتية، إذ دق التقرير الأخير أجراس الإنذار بشأن ظروف تخزين الأدوية والمستلزمات الطبية، التي قال إنها مخالفة للمعايير المتعارف عليها. “ففي المستشفى الإقليمي بالجديدة، اضطرت الإدارة إلى تخزين الأدوية في غرفة مجاورة لمستودع الأموات، لا تستجيب لشروط حفظ مخزون المواد الصيدلية وتمر عبرها مجاري الوحدات الصحية الموجودة بالطابق العلوي، وتبين أن غرفة التخزين بمستشفى طنجة تعرف تسربات في شبكة الصرف الصحي، كما يتم تخزين أدوية مركز مراكش في ثمانية أماكن متفرقة تفتقر للتكييف  وبعضها تعاني رطوبة وتسربات لقنوات الصرف الصحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى