حوادث

دراسة: حق الإضراب وفزاعة الاقتطاع من الأجور

الحكومة توظف ورقة الاقتطاع ليس آلية قانونية بل ورقة ضغط وتكتيكا لإدارة الصراع

عادت الحكومة لتشهر من جديد ورقة الاقتطاعات من الأجور في مواجهة بعض الإضرابات التي تشنها في الآونة الأخيرة بعض التمثيليات النقابية وأهمها النقابة الديمقراطية للعدل، كبرى نقابات قطاع العدل، التي تخوض هذه الأسابيع سلسلة إضرابات احتجاجا على تملص وزير العدل في حكومة بنكيران  من توقيع اتفاق تم التوصل إليه إثر حوار بين النقابة ومسؤولي الوزارة .

 

وبالموازاة مع التهديد الحكومي ظهرت من جديد بعض الأصوات التي تشرعن للحكومة قرارا يبدو أنه أصبح جاهزا بالاقتطاع من أجور المضربين الذين يفوق عددهم 80 في المائة من موظفي وزارة العدل.

للمساهمة في هذا النقاش لابد  من الإعلان مبدئيا أن الاقتطاع من الأجر لا يمكن أن يفزع أي مناضل نقابي حقيقي، ولا أعتقد أن النقابة الديمقراطية للعدل ستجعل من مسألة الاقتطاع مادة للحوار أو المساومة مع أي طرف حكومي أو غير حكومي. فهي اختارت النضال وتعرف عواقبه، كما أنها لن تعوزها الوسيلة للرد على أي قرار غير محسوب العواقب قد تقدم عليه الحكومة. غير أن ما يتغافل عنه خطاب جوقة المدافعين عن آلية الاقتطاع هو أن الموضوع ليس هو شرعية أو عدم شرعية هذه الآلية، بل المشكل يكمن في أسلوب التوظيف الحكومي لفزاعة الاقتطاع وفي سياقات اللجوء إليه.
إن المدافعين عن مبدأ الاقتطاع (أو المحرضين عليه  ينطلقون من أن الأجر هو مقابل العمل وأن العلاقة بينهما (الأجر والعمل) علاقة مستقلة عن علاقة الإدارة بالنقابات. وأن واجب الحكومة بالتالي ينحصر في ضمان واحترام ممارسة حق الإضراب وعدم عرقلته ولا يجب أن يتعداه إلى واجب أداء أجور لموظفين منقطعين عن العمل من ميزانية دافعي الضرائب، وطبعا كان يمكن لهذا التحليل أن يكتسي نوعا من المنطقية والمعقولية لو أن سياق النقاش هو التأسيس لشرعية آلية الاقتطاع من الأجور بغية إقرارها كمبدأ قار ومجرد في التعامل الحكومي مع مبدأ الإضراب، وضمن إطار قانوني تم سنه من طرف ممثلي الأمة في انسجام مع الدستور والالتزامات الدولية وبتشاور مع الفاعلين المعنيين.  لكن هذا النقاش غير موجود، وتوجد بدله سياسة حكومية تقوم على توظيف ورقة الاقتطاع ليس كآلية قانونية تقنية محاسباتية عامة ومجردة بل كورقة ضغط وتكتيك لإدارة الصراع وتصفية الحساب  مع هذه النقابة أو تلك. وهو توظيف دلت التجربة أنه يتسم بطابعين أساسيين: أولهما الطابع الانتقائي والثاني الطابع الانتقامي.
أولا : الطابع الانتقائي /السياسي للاقتطاع
فالحكومة لا تواجه كل الإضرابات بالتهديد بالاقتطاع، بل فقط بعض الإضرابات دون سواها، وذلك طبعا على أساس حسابات سياسية تراعي قوة النقابات الداعية للإضراب وقوة غطائها السياسي واللون السياسي القريب منها ومدى القرابة السياسية بين الوزير المعني والنقابة المضربة….ويمكن بسهولة رصد هذا الطابع الانتقائي السياسوي من خلال تجارب تطبيق الاقتطاعات، فبالاقتصار على قطاع العدل فقط فهذا التهديد لا تواجه به إلا إضرابات النقابة الديمقراطية للعدل أما باقي النقابات ذات الغطاء السياسي فهي بعيدة عن مرمى الاقتطاعات  رغم أنها كانت في وقت سابق أكثر لجوء للإضرابات. والرهان من هذا التمييز واضح طبعا وهو الضغط على الموظفين من أجل تحقيق نوع من إعادة الانتشار النقابي لكسر شوكة النقابة الأقوى تمثيلية، وهذا الطابع الانتقائي بدا واضحا في تصريحات وزير الإعلام الأخيرة، إذ أكد أن الحكومة مقتنعة بعدم إمكانية استمرار الجمع بين ممارسة الحق في الإضراب وبين تلقي الأجر عن أيام الإضراب، لكنه أضاف أن «هذا الأمر يصبح أكثر إلحاحا في الحالات التي تكون فيها لهذا الإضراب نتائج سلبية ينجم عنها إضرار بمصالح المواطنين، فالاقتطاعات إذن حسب حكومتنا الجديدة ستكون في الحالات الأكثر إلحاحا فقط وليس في مطلق الحالات، أما من سيحدد هذه الحالات وعلى أي أساس وكيف يمكن التمييز بين إضرابات مضرة بمصالح المواطنين وأخرى أكثر إضرارا وأخرى أقل ؟ فيبدو أن ذلك سيكون ضمن السلطة التقديرية للحكومة وأحزابها والنقابات المقربة منها.
ثانيا: الطابع العقابي / الانتقامي للاقتطاع
لا تلجأ الحكومة منذ البداية وبشكل تلقائي لإعمال مبدأ الاقتطاع عند كل إضراب، بل غالبا ما يكون التهديد بالاقتطاع متزامنا مع فشل الحوار مع النقابات الداعية إلى الإضراب. حيث تخير الأطراف النقابية بين قبول مقترحات الحلول التي تقدمها الحكومة أو تفعيل آلية الاقتطاع في حقها .وهو ما يعطي لهذه الآلية طابعا عقابيا انتقاميا وابتزازيا أيضا، باعتبار أن الاقتطاع يتحول إلى فزاعة لابتزاز النقابات وإرغامها على الخضوع لإملاءات الإدارة فضلا عن أنه يوظف كورقة تحكمية لإدارة الحوار الاجتماعي ذاته وإضعاف الموقف التفاوضي للنقابات عبر التلويح بالاقتطاع .كما قد تصبح هذه الممارسة الانتقامية الابتزازية في إعمال الاقتطاعات أكثر انفضاحا حينما تتداخل مع الحسابات الحزبية لبعض المسؤولين حيث تتحول إلى وسيلة لتمكين النقابات المقربة حزبيا في قطاع معين وكسر شوكة النقابات المنافسة ، وهذه الممارسة هي بالضبط ما يؤجج التوتر في قطاع العدل حاليا.
إن التعامل السليم المطلوب من الحكومة الجديدة  إزاء ممارسة حق الإضراب يجب أن يتم عبر مدخلين أساسيين : أولهما أن تتحمل مسؤوليتها السياسية في الإسراع بإخراج القانون التنظيمي للإضراب وقانون النقابات وثانيهما فتح أبواب الحوار وتجاوز الحسابات الحزبية الضيقة في إدارة ملفات الحوار الاجتماعي، وكل إجراء خارج إطار هذين المدخلين سيشكل دليلا على التخبط وبداية لمسار من التراجع والاحتقان.

بقلم:  عبد الرحمان السحمودي, عضو المكتب الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق