fbpx
افتتاحية

ثورة الإرث

حسم الباجي قايد السبسي، الرئيس التونسي، قضية المساواة في الإرث، وتجاوز، بذكاء شديد، الاستقطاب والصراعات الإيديولوجية، وانتصر لدستور بلاده، رافضا ضغط الاتجاهات السياسية الدينية ومعارضتها لكل من يقول بمراجعة القوانين.

لم ينحن السبسي لعاصفة التيارات الدينية، ففتح، بدهائه السياسي، الباب لإنصاف المرأة في قضية شائكة تفادت كل الأنظمة العربية الاقتراب منها، وقال في خطاب سيدخل باب التاريخ: “إذا كان صاحب التركة يريد في حياته تطبيق قواعد الشريعة الإسلامية في توزيع الإرث بين بناته وأبنائه فله ذلك، ومن يريد تطبيق الدستور بحذافيره فله ذلك أيضا”، قاطعا الطريق أمام “المزايدين” السياسيين.

صفق العالم لشجاعة السبسي، ورحبت منظمة الأمم المتحدة بالمبادرة التشريعية في مجال المساواة في الميراث، مؤكدة أنها تقوم على المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ومنها عدم التمييز والمساواة، لكن المثير أن أعين العالم اتجهت، مباشرة بعد ذلك، إلى المغرب الذي جسد، في السنين الأخيرة، استثناء في الدفاع عن حقوق المرأة، وقطع أشواطا كبيرة في إنصافها، ناهيك عن الجدل حول الإرث الذي استغرق وقتا أكثر من اللازم، حتى أن بشرى بلحاج حميدة، رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة، التي شكلها السبسي ودعت إلى المساواة في الميراث، لم تخف أملها في أن يخطو المغرب الاتجاه نفسه ويفتح صفحة جديدة في الوطن العربي.

ما الذي يمنع المغرب من إقرار المساواة في الإرث؟ تتعدد الأجوبة عن السؤال، علما أنه كان سباقا، في الوطن العربي، بمبادرات أكثر شجاعة.

كلما عاد النقاش حول المساواة في الإرث بالمغرب إلى الواجهة، إلا واندلعت قضايا جانبية هدفها “وأد” النقاش ومنعه من التقدم إلى الأمام، حتى أن المتتبعين يلاحظون تحالفا “غير معلن” بين كل التيارات على تأجيل القضية إلى أجل غير مسمى، بتبريرات واهية، منها الخوف من رجة مجتمعية لموضوع حساس.

ما لم تستوعبه طيور الظلام أن قضايا المرأة جزء لا يتجزأ، والمجتمع له من الإرادة والثقة في المؤسسات الدينية الوطنية والسياسية ما يؤهله لاستيعاب المساواة في الإرث بين الجنسين، وتجاوز كل الحساسيات، والوقوف ضد الخطابات المتعصبة والتي تدغدغ المشاعر، دون تفكير ينصف المرأة.

لا ندعي أن الوقت تأخر في إعلان موقف سياسي يحث على إعادة فتح قضية المساواة في الإرث بالمغرب، لكن باب الإنصاف والتحديث والتنمية ينطلق من الجرأة في حل القضايا الشائكة، وليس التسويف أو انتظار “معجزة”، والتجربة التونسية مثال يستحق الاقتداء به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى