ملف عـــــــدالة

بعض الأمنيين يتواطؤون مع العصابات الإجرامية

عبد الجبار شكري
شكري قال إن هدف الشبكات الحصول على معلومات سرية تخص أمن الدولة والمجتمع

يرى الدكتور عبد الجبار شكري أن عصابات تنجح في استقطاب رجال أمن إلى صفوفها من خلال إغراءات قوية من أموال ونفوذ للحصول
على ترقية هؤلاء في السلم الإداري، بالإضافة إلى امتيازات أخرى كل حسب هواه ونقط ضعفه.

كيف يحدث تواطؤ بعض رجال الأمن مع العصابات الإجرامية؟
إن تواطؤ بعض رجال الأمن مع العصابات الإجرامية يرجع  بالأساس إلى قدرة العصابات الإجرامية على التسرب إلى أجهزة الأمن والكشف عن نقط الضعف عند بعض رجالاتها، إذ تتمكن العصابات من التحكم في بعض رجال الأمن وجرهم إلى التواطؤ معها في كل مشاريعها الإجرامية، مثل الدعارة والمتاجرة بالمخدرات.

ماهي عن أنواع تسرب العصابات الإجرامية إلى أجهزة الأمن ؟
أود أن أشير في البداية إلى أن أي تجمع سياسي لا يمكنه أن يرقى إلى مؤسسة الدولة إلا عندما يعمل ويضمن حماية ذاته وحماية المجتمع من كل الأخطار الداخلية والخارجية، والدولة بهذا المعنى تؤمن نفسها وتؤمن المجتمع لهذا يقول «ماكس فيبر» (تقوم كل دولة على العنف… لولاه لاختفى مفهوم الدولة، ولما بقي إلا ما نطلق عليه الفوضى، ويجب أن نتصور الدولة المعاصرة كتجمع بشري يطالب في حدود مجال ترابي معين بحقه في احتكار استخدام العنف المادي المشروع وذلك لفائدته … تعتبر الدولة إذن المصدر الوحيد «للحق» في ممارسة العنف).
ولهذا فهذه القوانين لا يمكن احترامها من طرف الناس في أي دولة إلا بواسطة جهاز القضاء، كما أن أمن المجتمع الداخلي والخارجي في أي دولة لا يتم إلا بواسطة الجهاز العسكري والاستخبارات والأمن الوطني، فإذا لم تقم هذه الأجهزة بوظيفتها القانونية والإدارية في شكل واجبات أخلاقية ووطنية ستعرض أمن المجتمع ومؤسساته للخطر، فإذا تسرب الفساد بمختلف أشكاله إلى هذه الأجهزة، فإن ذلك سينعكس سلبا على أخلاقية المجتمع وتخليق الحياة العامة، لأنه بذلك ستتم شرعنة الفساد ضدا على قوانين الدولة، وسيكون حماة القانون هم أول منتهكيه.
أما أنواع تسرب الشبكات الإجرامية إلى جهاز الأمن، فنجد ما يلي:
أولا، الحصول على معلومات سرية تخص أمن الدولة والمجتمع.
ثانيا، الحصول على معلومات سرية سواء حول شبكات الإرهاب وعصابات المتاجرة بالمخدرات وعصابات تهريب العملة الصعبة وشبكات الدعارة وشبكات الفساد السياسي وشبكات وسائط الرشوة وعصابات النصب والاحتيال وعصابات السطو والسرقة.
ثالثا، الحصول على معلومات تخص أباطرة المخدرات والإرهابيين وشبكات الدعارة واللصوص ومافيات النصب والاحتيال والفساد الإداري والسياسي والأمني والقضائي.
رابعا، الحصول على معلومات سرية تخص عمليات مداهمة  جهاز الأمن لهؤلاء المجرمين بمختلف أشكالهم وتخصصاتهم الإجرامية.
وفور حصول هذه العصابات على معلومات سرية من طرف بعض رجال الأمن تجرهم إلى التواطؤ معهما في مجموعة من العمليات الإجرامية كالمتاجرة بالمخدرات وحماية شبكات الدعارة.

إلى أي مدى تقدر العصابات الإجرامية على جر بعض عناصر جهاز الأمن إلى التواطؤ معها؟
لهذه الشبكات الإجرامية قدرات فائقة على التسرب إلى جهاز الأمن، وقدرتهم على استقطاب رجالات الأمن بمختلف تسلسلهم الإداري، إذ تتحكم في السيطرة عليهم من خلال ما لديها من إغراءات قوية من أموال ونفوذ للحصول على ترقية هؤلاء في السلم الإداري، بالإضافة إلى امتيازات أخرى كل حسب هواه ونقط ضعفه.

ما هي الأسباب التي تجعل بعض رجال جهاز الأمن يتواطؤون مع العصابات الإجرامية من بينها عصابات المخدرات، وفي نظركم ما طبيعة شخصية بعض أفراد جهاز الأمن؟
إن سلوكات هؤلاء الأفراد الذين يتواطؤون مع العصابات الإجرامي، في الواقع سلوكات جنائية تغيب فيها أي صفة من صفات المواطنة الحقة، وهذه السلوكات الجنائية تكون وراءها مجموعة من الأسباب، منها ماهو نفسي ومنها ما هو اجتماعي.
فبالنسبة إلى الأسباب النفسية نجد ما يلي:
أولا، أن الأنا الأعلى في الجهاز النفسي لدى هؤلاء الأشخاص يكون ضعيفا في مكوناته، كما يكون ضعيفا في سلطته ومراقبته لأنه غالبا ما يدفع اللاشعور برغباته الليبيدية والعدوانية الأنا إلى تحقيقها على أرض الواقع، وفي هذه الحالة لا يخاف الأنا من عقاب الأنا الأعلى المتجلي في تأنيب الضمير، ولا يعير أي قيمة لسلطته التأزيمية والقمعية.
ثانيا، نجد هشاشة نفسية في الجهاز النفسي عند هؤلاء الأشخاص بسبب اضطراب العلاقة الوظيفية الاتزانية بين الأنساق الثلاثة للجهاز النفسي (الهو والشعور والأنا الأعلى)، وفي علاقاتهم الوظيفية أيضا بالواقع يسقط أصحاب هذه الهشاشة النفسية بسهولة ضحية الإيحاءات والإغراءات والتخويف والترهيب الممارس عليهم من قبل العصابات الإجرامية وجرهم إلى التواطؤ معها، فينقادون إليهم بسرعة دون مقاومة.
أما الأسباب الاجتماعية فنجد ما يلي:
أولا، أن هذه السلوكات الجنائية المتمثلة في التواطؤ مع العصابات الإجرامية نجد أسبابها في اضطراب منظومة القيم وتناقضها مع مرجعيتها وأهدافها، مما يجعل هؤلاء الأشخاص يتناقضون في سلوكاتهم مع الترسانة القانونية الملزمة لهم والمحددة لواجباتهم تجاه الدولة والمجتمع، فيؤدي اضطراب هذه المنظومة إلى استصغار خطورة ما يقدمون عليه والاستهانة بذلك إلى درجة أنهم يعطون لأنفسهم تبريرات لما يقومون به.
ثانيا، هناك سبب آخر مرتبط بالتنشئة الاجتماعية، إذ أن هؤلاء لم يخضعوا لتنشئة اجتماعية تستهدف التربية على روح المواطنة والالتزام بالقوانين ليس باعتبارها اكراهات خارجية وإنما واجبات أخلاقية، يجب أن تمارس تجاه المواطن والمجتمع.
ثالثا، الحاجات والتكلفة المالية العالية للمعيش اليومي وضعف القدرة الشرائية لهؤلاء الأشخاص، إذ أن إمكانياتهم المادية لا تستجيب لحاجيات أسرهم فتكون نقطة ضعفهم عند العصابات الإجرامية هو حاجتهم إلى المال فيجرون بعض رجال الأمن إلى التواطؤ معهم نتيجة إغرائهم بواسطة المال.

كيف يجب أن تعمل الدولة لمحاربة تواطؤ بعض رجال جهاز الأمن مع العصابات الإجرامية؟
هناك مجموعة من الآليات والإجراءات يجب أن تقوم بها الدولة وهي كالتالي:
أولا، عدم الوقوع في  سوء اختيار الأفراد في هذا الجهاز، فالتوظيف في هذه الأجهزة يجب أن يتم بشكل انتقائي كبير، ويخضع لاختبارات صارمة نفسية واجتماعية وأخلاقية، خصوصا بالنسبة إلى الموظفين الذين سيختارون في أجهزة الأمن ذات الحساسة، مثل الاستخبارات، إذ أن استقامة السلوك في جهاز الأمن هي المعيار، وهي التي تضمن تحويل قوانين إكراهية إلى واجبات أخلاقية تجاه الدولة والوطن.
ثانيا، إيجاد أجهزة ومؤسسات فعالة وقوية للمراقبة، مهمتها مراقبة سلوكات هؤلاء الأشخاص داخل عملهم وخارجها، ومراقبة علاقاتهم واتصالاتهم ورصد أي تأثيرات سلبية على سلوكاتهم من خلال إخضاعهم دائما إلى معالجة إكلينيكية سيكولوجية وسوسيولوجية تحدد مدى إمكانية استمرارهم في أداء مهمة تطبيق القانون والواجبات الأمنية نحو الوطن.

أجرى الحوار: خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق