بانوراما

ميـلاد ضبـاط مغاربـة: الريش … قبطان مع وقف التنفيذ

تسلط شهادة القبطان السابق عبد الرحمان الريش الضوء على حقبة مهمة في تاريخ المؤسسة العسكرية المغربية، بحكم أنه كان ضمن أول فوج للضباط المغاربة الذين تخرجوا بعد الاستقلال، والذي ضم الجنرالات حسني بنسليمان وبوشعيب عروب والراحل عبد العزيز بناني. وتقف هذه الشهادة على مسار المؤسسة العسكرية بعد الاستقلال، وأهم الأحداث التي شاركت فيها، وأبرزها حرب الرمال، وحرب الصحراء ضد “بوليساريو”. في الوقت الذي تسلق فيه رفاق الريش المناصب إلى أن صاروا من أهم قادة الجيش، غادر المؤسسة العسكرية من الباب الخلفي برتبة قبطان، “لأسباب مجهولة”، حسب قوله.

الحلقة 1 … ميـلاد ضبـاط مغاربـة

تصادف وجودنا بالمغرب مع اندلاع أزمة العدوان الثلاثي على مصر

كانت بداياتي الأولى بدرب التازي بالبيضاء، حيث رأيت النور في 1937، من أسرة متوسطة الدخل. رغم فترة الاستعمار كان اهتمام المغاربة بتدريس أبنائهم كبيرا جدا. وقتها كنت أدرس بالشعبة التقنية، خصوصا الميكانيك. وبعد حصولي على الشهادة الإعدادية، انتقلت إلى المدرسة الصناعية بدرب السلطان، وفي 1956، حصلت على شهادة الباكلوريا بميزة حسن جدا.

صادف حصولي على هذه الشهادة الغالية وقتها، الإعلان عن مباراة لاختيار ضباط بالجيش الملكي. تقدمت إلى تلك المباراة بكل حماس، وكنت من بين الحاصلين على أعلى النقط فيها. استدعيت للخضوع إلى اختبار بدني وطبي، نجحت فيهما، وبعدها حظيت بشرف الانتماء إلى أول فوج لضباط الجيش المغربي مباشرة بعد استقلال المغرب.

أطلق على هذا الفوج اسم “محمد الخامس”. داخل الفوج سأتعرف على شباب سيكون لهم مستقبل كبير في قيادة الجيش المغربي. كانوا كلهم حماسا وطموحا كبيرا بعد نجاحهم في ضمان مقعد لهم بهذا الفوج، وقتها اعتبرنا أنفسنا أننا نخبة الطلبة المغاربة، فأمر الالتحاق بهذا الفوج لم يكن سهلا، خصوصا أبناء الطبقات الفقيرة أو المتوسطة، فهو يخضع لمعايير صارمة سواء على مستوى المباراة أو على مستوى التداريب. من بين زملائي في الفوج من سيكونون كبار القادة في الجيش والدرك، أقصد الجنرال “دوكوردارمي” حسني بنسليمان، والراحل الجنرال “دوكور دارمي” عبد العزيز البناني والجنرال “دوكور دارمي” عروب، والجنرال الراحل كوريما، وغيرهم من الأسماء الوازنة.

انتقلنا إلى المدرسة العسكرية بفرنسا 1956، وخضعنا لتكوين لمدة سنة، وقتها كنت أشعر بفخر كبير أنني ابن الطبقة الفقيرة يجاور أبناء الأعيان والمقربين من القصر. كنت اعتبر الأمر انتصارا لي، لكنني لم أكن اعلم أنني سادفع ثمن هذا التمييز الطبقي في ما بعد.

كانت علاقتي بزملائي في الفوج جيدة، نستغل لقاءنا في نادي الضباط لمناقشة مواضيع متنوعة. كنا “ناس المعقول”، لم نتورط في أي عملية شغب أو أي سلوك يسيء لنا ولمملكتنا. ساهم في ذلك أنه كانت تفرض علينا مراقبة صارمة جدا.

رغم أن الجنرال حسني بنسليمان والراحل بناني، من أبناء الأعيان، إلا أنهما اشتهرا بتواضعهما. لم يشعراني وباقي العناصر التي تنتمي إلى الطبقة الفقيرة بوجود أي فرق طبقي بيننا، لدرجة أن صداقتنا توطدت بشكل كبير قبل أن تفرقنا السنون. قضينا سنة من التدريب بالمدرسة العسكرية الفرنسية، كانت تشمل تطبيقات نظرية حول كل أنواع الأسلحة واستعمالها والخطط العسكرية، قبل أن نعود إلى المغرب. خضنا تدريبات ميدانية على الذخيرة الحية، شملت مختلف أنواع الأسلحة من المسدسات إلى المدافع الثقيلة.

تصادف وجودنا بالمغرب مع اندلاع أزمة العدوان الثلاثي على مصر والذي شاركت فيه فرنسا. رفض الملك محمد الخامس إرسالنا إلى فرنسا إلى حين أن يهدأ الاحتقان الدولي. تزامن وجودنا في المغرب مع حلول ذكرى عيد العرش في نونبر 1956، حيث قمنا باستعراض عسكري، كان غاية في الروعة، بحكم أنه شمل أول ضباط لمغرب ما بعد الاستقلال، وبعدها عدنا إلى فرنسا لإتمام الدراسة وبعدها في 1957، تم توزيعنا على الفرق العسكرية، كل حسب تخصصه.

مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق