بانوراما

ذاكرة الكاريانات: حسن … “شيخ” كاريانات الجديدة

الكاريانات … ذاكرة تقاوم المحو 4

لا تجثث معاول الهدم، التي تنشط، هذه الأيام، بعدد من الكاريانات ودواوير الصفيح بالمغرب “آخر براكة” تحقيقا لمشروع “مدن دون صفيح”، بل تشطب على جزء أساسي من تاريخ المغرب الحديث وذاكرة جماعية
طافحة بالأحداث والأسماء والصور والشهادات، يجتهد بعض الباحثين والأساتذة
الجامعيين في الحفاظ عليه بصعوبة كبيرة.

شكل “كريان حسن” المجاور للمركز الصحي لسيدي يحي والمستند على طريق مراكش قديما (شارع بئر إنزران حاليا)، أول نقطة سوداء وأول نواة للبناء العشوائي.

وتحكي الروايات الشفاهية، أنه شهد أولى “البراريك” في عشرينات القرن الماضي، موازاة مع انطلاق أشغال الحفر والبناء (خاصة شق الطرقات) من قبل المستعمر الفرنسي.

وحسب مصادر “الصباح”، فقد اكتسب اسمه من أول شخص، استقر به، مستغلا الفراغ القانوني من جهة وازدياد طلب الاستقرار والسكن عليه من جهة ثانية، وشرع في تمكين الباحثين عن موطئ قدم من بقعة أرضية لإحداث براكة فوقها.

وتحكي الروايات ذاتها، أن “الكريان” ذاته، كان عبارة عن حفرة كبيرة، شكلت مناسبة لعائلات نازحة من البوادي والمداشر المنتشرة بأهواز دكالة، خاصة من خميس الزمامرة وخميس متوح وأولاد افرج وأولاد حمدان وسيدي عبد الله التيباري، للاستقرار به، هربا من شظف العيش عقب تأثير الجفاف والمجاعة، التي ضربت المنطقة في الفترة المذكورة، بل إن عائلة من تارودانت، استقرت به وظلت تعرف بعائلة الصحراوية.

واستغل المهاجرون والهاربون من الفقر والمجاعة، كثرة العرض والطلب على العمل في الأعمال الشاقة، التي ترتبط بالبناء وشق الطرقات والحراسة، واستقر عدد منهم ب”الكريان” ذاته، ومنهم من استقدم أسرته بعد ضمان مكان يأويه ومنهم من تزوج من محيط سكنه الجديد.

ولا يمكن فصل “كريان” حسن عن محيطه، المعروف ببناياته الواطئة (برارك خديجة والنوايل)، المطلة عليه من عل، بسبب وجوده في منحدر. ويحكي عبد الله ملوك، أن “الكريان”، كان يشكل مجالا له ولبقية أقرانه، للجري واللعب طيلة اليوم، لتوفره على فضاء محاط من ثلاث جهات، يوفر لهم الأمن والأمان من “الغزاة”، أطفال الأحياء المجاورة.

وظل “الكريان” يفي بدوره، كما باقي “الكريانات” الأخرى بمختلف المدن المغربية، عبر توفير سكن قار للنازحين، إلى أن امتلأت جنباته عن آخرها ولم يعد قادرا على الاستجابة لطلبات الوافدين، سيما بعد توسع العائلات وازدياد الأبناء والبنات.

الآن لم يعد ل”الكريان” وجود، اللهم جزء من الحفرة، التي كانت تشكل الظهر الواقي ل”البراريك”، إذ تم استغلال مكانه في البناء العمودي، بتشييد شقق من أربعة طوابق. ويحكي محمد وهو عون سلطة نشأ بمحيط “كاريان” حسن، أنه هو من حرص على عملية إحصاء عدد الأسر القاطنة به (58 أسرة)، مثل عائلة عمر والزينيفي والهنيوي، قبل ترحيلها نواحي محطة القطار الجديدة، حيث استفادت من بقع أرضية من حجم 100 متر و120 مترا مربعا، واستفادت من عملية البناء عبر الوكالة، إذ استفادت هذه الأسر المعوزة من الطابق السفلي، فيما استفاد المقاول، الذي تكفل بعملية البناء، من بقية الطوابق.

وما زال سكان “الكريان” ذاته، يتذكرون السنوات الجميلة التي قضوها به، في غياب الكهرباء والماء الصالح للشرب، إذ كانوا يعتمدون على “الفتيلة والقنديل”، ومياه الآبار و”العوينات” الموضوعة بعناية في أوان مصنوعة من الطين (خابية).

وتحكي الحاجة عائشة، التي استفادت كغيرها من السكان ببقعة أرضية، عن سنوات العيش ب”الكريان”، وأكدت أنها كانت تتسم بالتضامن الاجتماعي، وكانت الأمهات تجتمعن كل مساء حول كأس الشاي و”المسمن”، للغزل وتنقية الحبوب وأشياء أخرى.
أحمد ذو الرشاد (الجديدة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق