بانوراما

مغربيات خالدات: منية بنت ميمون الدكالي … المتصوفة الناسكة

مغربيات خالدات 10

تكمن أهمية كتاب ” مغربيات حفل بهن التاريخ” للكاتب والباحث المتميز مصطفى حمزة، ليس فقط في استحضار نماذج نسائية مغربية عبر مختلف الحقب التاريخية منذ فترة الأدارسة إلى عهد العلويين، بل الوقوف على القيم الإنسانية النبيلة، التي تحلى بها المغاربة من قبيل الحكمة والصبر والتجلد والشهامة والنبل والتضحية… فتقديم النماذج النسائية المغربية التاريخية، مع التركيز على خصوصيات ومميزات كل نموذج، هو دعوة، من المؤلف، إلى إعادة قراءة تاريخ المغرب بشكل موضوعي لاستكشاف ما يزخر به من دروس وعبر.

تقدم منية (منينة) بنت ميمون الدكالي، نموذجا للمرأة المغربية المتصوفة، الزاهدة، الناسكة، المتعبدة في القرن السادس الهجري. لم يكن التصوف بالنسبة إلى منية بنت ميمون الدكالي “المشهورة عند العامة بميمونة تاگنوت”، ترفا دثرت به مسار حياتها، ولكنه كان بالنسبة إليها، “وجدان الفرح في فؤاد عند إتيان الترح، أي الهم”.

فمنية بنت ميمون الدكالي، المكناسية الأصل، ونزيلة الجانب الشرقي من مراكش، لم تكن ممن “صارت أبدانهم رهينة لشهواتهم…”، بل كانت من طينة من “يجاهد مع النفس والطبيعة، ليرتفع الهوى والشهوات والبدعة، ويتمكن في القلوب حب العمل بالكتاب والسنة”.

جهاد منية لنفسها ورغباتها ترجمه، ابن الزيات في كتابه التشوف إلى رجال التصوف قائلا: “زرتها ورأيتها عجوزا قد اسودت من الاجتهاد ولصق جلدها بعظمها”، منشدا:

وما أبقى الهوى والشوق مني
سوى نفس تردد في خيال
خفيت عن المنية أن تراني
كأن الروح مني في مجال
فتاگنوت “التي لا تبين في كلامها…”، هي من ضمن الصالحين والصالحات الذين حفل بهم كتاب التشوف إلى رجال التصوف “وإن كان مشتملا على أضراب من أفاضل العلماء والفقهاء والعباد …وغير ذلك من ضروب أهل الفضل”.

فابنة ميمون الدكالي التي يوافق تاريخ وفاتها، تاريخ وفاة الخليفة يعقوب المنصور الموحدي سنة 595 هجرية، كانت كثيرة الكشف بخبر المغيبات وتظهر على يدها كرامات، وهو ما يستشف من كلامها لأحمد بن إبراهيم الأزدي “قيل لي: يتفق لك شيء، وأنا أظن أنه الموت، فقلت لها : لعله غير ذلك، فلما عادت إلى مراكش مرضت مرضها الذي ماتت فيه”.

وبغض النظر عما كان لمنية من كرامات، مثل قطع المسافات الطويلة في المدة القليلة، كما يشير إلى ذلك ابن الزيات، تبقى زيارتها لرباط شاكر ببلاد أحمر في أواخر القرن السادس الهجري، “حيث كان اجتماع صالحي المغرب وسيما في شهر رمضان من أجل ختم القرآن، وحيث كانت منابر الوعظ من أجل نشر الإسلام وتثبيته في أوساط المصامدة وغيرهم…”، وثيقة تاريخية، تؤكد على قدسية المكان (رباط شاكر) وحجم ونوعية الزوار.

لم يكن حضور منية بنت ميمون الدكالي لرباط شاكر، حضورا من أجل تأثيث فضاء دعت له جماعة ممن “جعلوا قليل زلات السلف حجة أنفسهم، ودفنوا كثير مناقبهم”، بل كان حضورا من أجل معانقة جميع المغاربة من “أفاضل العلماء والفقهاء والعباد والزهاد والورعين…”.

لم يفت منية وهي تتحدث إلى أحد محاوريها أن تقول له: “حضر هذا العام بهذا الرباط ألف امرأة من الأولياء”، يشير ابن الزيات، وإذا كان الأمر كذلك، فكم كان عدد من حضروا من الأولياء؟.

في 595 هجرية، تغادر منية / منينة الحياة، ويحتضن رمس خارج باب الدباغ بمراكش الحمراء، جسدها الذي “اسود من الإجهاد (في حب الله) حتى لصق جلدها بعظمها”، وبقي اسمها من بين العابدات الزاهدات المتصوفات المشهورات اللواتي حفل بهن تاريخ المغرب.

مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق