بانوراما

ناج من حبل المشنقة … محاكمة مجموعة “71”

بعد صدور حكم الإعدام، يصبح شبح حبل المشنقة يترصد أعناق المدانين، ويغدو صوت المفاتيح كابوسا مرعبا، تحبس معه أنفاس “منتظري الموت”، الذين أصبحوا تحت رحمة الجلاد.

في هذه السلسلة، تقربكم “الصباح” من الحياة داخل حي الإعدام بسجن القنيطرة، من خلال تجربة المعتقل السياسي السابق أحمد الحو، المحكوم بالإعدام سنة 1984 ضمن مجموعة “71”، والذي قضى 10 سنوات داخل حي الإعدام، ويروي لنا تفاصيل من اعتقاله وتعذيبه داخل معتقل درب مولاي الشريف، والحكم عليه بالمشنقة، ومن ملامح حياة حي الإعدام، وصولا إلى الإفراج عنه، الذي كان ولادة أخرى.

عصام الناصيري

الحلقة 3 … محاكمة مجموعة “71”

بدأ مسلسل المحاكمة، بعدما أحالتنا الشرطة القضائية بدرب مولاي الشريف، في ثالث عشر من يوليوز 1984، على محكمة الاستئناف الموجودة في الحبوس، وهنا لأول مرة سأتمكن من رؤية العالم المحيط بي، كنا حوالي 50 معتقلا، وبعد ذلك أطلقوا علينا اسم مجموعة الـ “71”، لأنهم عجزوا أن يطلقوا علينا اسما أو تنظيما معينا، لأن أغلب المعروضين على المحكمة لم يكن لهم أي انتماء سياسي أو فكري، كما كان هناك من كانت تبحث عنه الشرطة، ولما اختفى أحضروا بدلا عنه أخاه أو أحد أفراد عائلته.

وجهت لي في المحاكمة اتهامات ثقيلة، من قبيل المؤامرة ضد النظام، واستبداله بآخر، والمس بسلامة أمن الدولة الداخلي، وهذه تهم ثقيلة، أعتقد أنها يمكن أن توجه لجنرال قاد انقلابا عسكريا، واستعمل الطائرات وليس الكتابة على اللافتات، خصوصا بعد أن كنا قاب قوسين أو أدنى من الإفراج، أصبحنا متابعين بتهم ثقيلة، إذ قبل إحالتنا على المحاكمة كانت تروج أخبار عن خروجنا من المعتقل.

لسوء حظنا وقبل إحالتنا على المحاكمة، اندلعت انتفاضة الشمال ومراكش، التي لا تربطنا بها أي علاقة، لكننا تحولنا بعد خطاب (الأوباش)، الذي ألقاه الراحل الحسن الثاني، إلى محرضين على الشغب، وكان هناك اليسار والإسلاميون والمدفوعون من قبل الاتحاد السوفياتي والموساد، يعني خليط من الإيديولوجيات، للقول إننا المسؤولون عن أحداث 1984، رغم أنه لم تكن لنا بها أي علاقة لا من قريب أو من بعيد.
يوم المحاكمة تمنيت أن أعود إلى درب مولاي الشريف، كانت من أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتي، ليس بسبب التهم أو الأحكام، بل لأنهم وضعونا في قبو ملحق بالمحكمة، مليء بالغيط والبول والروائح الكريهة، أمضيت هناك 24 ساعة، أنتظر المثول أمام وكيل الملك، في لحظة أردت أن أنام من كثرة العياء ولم أجد أين، فقررت أن أقف على رجل واحدة، حتى أبقى مستيقظا.

في انتظار الموت

عندما عرضت على قاضي التحقيق، كانت الكدمات وآثار التعذيب بادية على جسدي، وأخبرته بالموضوع، وهممت بأن أزيل قميصي، فقال لي “نتا سخون عليك راسك وغادي نبردوه لك”. بعد ذلك، ستأتي مرحلة الإحالة على السجن قبل المحاكمة، وهنا بدأت مرحلة أخرى، إذ أصبحنا نرى محيطنا، لكن بمجرد دخولي السجن أرسلوني إلى “الكاشو”، وهناك شاهدت معتقلين أشبه بالهياكل العظمية، يتغوطون ويتبولون في أماكنهم، وكانوا مربوطين ينتظرون الموت.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق