الأولى

حديث الصباح: غشاء الشرف الرخيص

الشرف أغلى وأكبر من مجرد غشاء وجد عنه العِلم بديلا يتراوح سعره بين 120 و8000

بعث لي أحد الأصدقاء قصيدة نظمتها شابة مصرية تتهكم فيها على رجل أخذها إلى عيادة طبيب لإخضاعها إلى فحص للعذرية. الفيديو متوفر على «يوتوب» بعنوان «فحص عذرية». في نصها، تقدم الفتاة مقارنة بين العذرية التي يبحث عنها الرجل بين فخذيها، وبين الحرية التي تنشدها بين أحضان بلدها. القاموس المستعمل أبعد ما يكون عن الإيروتيكية، (جثث الشهداء، العدالة، الحرية…)، لكن الفيديو ككل يطرح – من جديد- إشكالية البكارة والعذرية في مجتمعاتنا.
بدورها، قضية أمينة، شابة العرائش التي انتحرت منذ بضعة أيام، بعد معاناة طويلة مع مغتصبها الذي صار، بقوة القانون، زوجها؛ تصرخ في وجوهنا لتذكرنا بتخلفنا المزمن المرتبط بجسد الأنثى. لماذا زُوّجت أمينة لمغتصبِها؟ لأنه الوحيد القادر على مداراة «فضيحتها»، بعد أن اغتصبها وفض بكارتها. هكذا، بقدرة قادر، تصبح أمينة المغتصَبة امرأة متسخة، «مخْسّرة»، فاسدة، غير أهل لأن تكون زوجة لرجل آخر. الاغتصاب يصبح فضيحتَها هي. فجأة، تصبح الضحية مسؤولة عن تلطخ شرف العائلة ومعها كل أفراد القبيلة.
لكن، لنتجاوز رياءَنا للحظات. أمينة ليست حالة معزولة وكلنا نعلم هذا. كل واحد منا سمع على الأقل مرة واحدة عن فتاة تم تزويجها لمغتصبها، كمخرج من ورطة الاغتصاب والفضائح المرتبطة به. في أغلب الحالات، تَعتبر أمُّ المغتصِب أن «شي وحدة تفلات على ولدها وصدق مزوج بيها – لصقات فيه». المغتصِبُ نفسُه يصبح ضحية المغتصَبة التي «تفلاّت عليه». ومن يقول هذا الكلام؟ امرأة أخرى، تنصب نفسها مدعية ضد الضحية لمجرد أن المغتصِب هو ابنها.
أتذكر قصة طفلة أخرى لم أنس يوما حكايتها، والظلم الذي مورس في حقها من طرف أمها. هذه الطفلة تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة من طرف رجل هو والدها. حين اكتشفت الأم الواقعة، قررت في البداية متابعة الأب، قبل أن تتنازل عن القضية لأن… البنت ما تزال بكرا. والدها كان يغتصبها من الخلف. غشاء البكارة ما يزال سليما، وهذا هو الأهم… أن يغتصب الأب طفلته ذات ست سنوات أكثر من مرة أمر يصبح في النهاية ثانويا وغير ذي قيمة. لا أحد يُعير انتباها لنفسية هذه الطفلة وعلاقتها بأبيها وعلاقتها بجسدها. المهم هو ذلك الغشاء الذي يكتسي، في مثل هذه اللحظات، قيمة تتجاوز قيمة المرأة نفسها. غشاء يصبح أغلى من كرامتها وإنسانيتها وكل ما فيها من أحاسيس وحب وقهر…
أعتقد أن هذه القرارات الخرقاء لأقرباء الضحايا بمثابة اغتصاب أفظع يُمارس في حقهن.
جميعنا نطالب اليوم بتغيير هذا القانون الذي يمكّن المغتصِب من الزواج من المغتصَبة تفاديا للسجن. هذا مطلب مشروع ومستعجل، لكننا أيضا نحتاج إلى ثورة في العقليات التي، بدل أن تتعاطف مع المغتصَبة، تنظر إليها بعين الشفقة لأنها فقدت «أغلى ما عندها»، فقدت ما يجعل منها أنثى صالحة… هذه هي الكارثة والأزمة الحقيقيتان. لدي الرغبة المجنونة في أن أذهب بعيدا وأطالب بالإلغاء الجراحي لغشاء البكارة منذ الولادة. هكذا فقط سيصبح الاغتصاب اغتصابا ببكارة وبدونها. هكذا فقط لن نعتبر أن المغتصَبة فقدت أغلى ما عندها عند الاغتصاب. هكذا فقط سننسى أن نركز على ما نعتبره «الأهم» (افتضاض البكارة)، وسننتبه إلى ما نعتبره اليوم ثانويا: الاغتصاب في حد ذاته.

ثم، وبعيدا عن الاغتصاب، متى سنتجاوز نفاق غشاء العذرية؟ خلال دراسات ميدانية حول موضوع العلاقات الجنسية قبل الزواج، سألت عددا من الشباب غير المتزوجين إن كانت لهم علاقات جنسية. سألت في ما بعد أولئك الذين ردوا بالإيجاب إن كانت علاقاتهم مع مهنيات جنس أم مع صديقاتهم. في أغلب الأحيان التي كانت فيها العلاقات الجنسية تتم مع صديقة/حبيبة، كانت الفتاة تحافظ على “بكارتها”. وفي حالات أخرى كثيرة، كان أغلب هؤلاء الشباب يصرحون بأنهم لا يستطيعون الزواج بفتاة غير بكر. طبعا، لا أحد من هؤلاء الشباب يتساءل إن لم تكن زوجة المستقبل “العذراء” قامت بممارسات الحبيبة القديمة. أحد الشباب صرح لي: “فلتفعل ما تشاء، المهم أن لا أرى الدليل”. شاب آخر قال لي إن المهم أن تحافظ زوجة المستقبل “على ديك البْلاصة”. لا يهم أن يراود خيالها رجل آخر أحبّته في ماض قريب. لا يهم أن تكون قبّلت رجلا آخر أو أن تكون كشفت له أي مكان آخر في جسدها. المهم هو ذلك الغشاء السحري الذي يُخفي بين ثناياه دليل احتمالات أخرى لا يقوى زوج المستقبل على تصورها.
لنجلس مع ذواتنا بهدوء ونعترف: أن تحتفظ فتاة بغشاء عذريتها، لا يدل على أي شيء. أن لا تحتفظ به فتاة أخرى لا يدل على أي شيء أيضا. الشرف أغلى وأكبر من مجرد غشاء وجد عنه العِلم بديلا يتراوح سعره بين 120 و8000 درهم، حسب مدة الفعالية. الحب والإخلاص والقيم والشرف، وكل هذه الأمور النبيلة أكبر من ذلك الغشاء الذي ماتت وستموت بسببه أمينات كثيرات.

بقلم : سناء العاجي, كاتبة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق