fbpx
افتتاحية

وداعا… القيم

لا تعترف القيادات الحزبية الحالية بفشلها في تقدير اللحظة السياسية، وعجزها عن تحديث خطابها السياسي، وإبداع مشاريع جديدة في مرحلة تتسم بالتعقيد والشعبوية ومنطق المصالح الذاتية، بعيدا عن القيم الوطنية.
هل رفع السياسيون راية الاستسلام لتجديد خطاب أحزابهم؟ المتتبع للمشهد السياسي بالمغرب يقف عاجزا عن وصف المرحلة الحالية، فبعدما كانت مشاريع الأحزاب في مرحلة ما بعد الاستقلال، إلى نهاية تسعينات القرن الماضي، تجد صداها في المجتمع، ولو اختلفت الإيديولوجيات، تحولت، في السنوات الأخيرة، إلى أشبه بتماثيل محنطة، لا تنتج إلا خطاب التيئيس، وصراع الزعامات، والمعارك الصغيرة، وتتفوق في الانشقاق، وتنتعش في الاستحقاقات الانتخابية، قبل العودة إلى جمودها في غياب أي تصور سياسي أو فكري واضح.
لم تستوعب الأحزاب نفسها أن هناك رأيا عاما يتابع تحولاتها عن كثب، ويعاين قادة لم يتخلصوا من جينات الهيمنة والتسلط والاستبداد، رغم إشارة أعلى سلطة في البلاد، علما أن النخب الوطنية ساهمت، منذ الاستقلال، في الحد من العديد من مظاهر الانحراف السياسي، وفي حماية الأمن الاجتماعي، وأبرزت العديد من الكفاءات والأطر التي فرضت نفسها بقيمها ورؤيتها والإيمان بنسبية الأشياء واندماجها في المجتمع، وأصبحت تشكل قاطرة للمغرب الحديث، رغم العوائق السياسية في تلك المرحلة.
ويسود اقتناع لدى الرأي العام أن معظم الأحزاب الحالية انتهت صلاحيتها، فقد عجزت عن تجديد نخبها، وما تبقى من مفكريها، إما تواروا عن الأنظار أو أعلنوا “الطلاق بالثلاث” مع السياسة والشأن العام، فأصبح المشهد السياسي والاقتصادي هياكل لا روح فيها، تتشابه برامج أحزابها، وتتحول مؤتمراتها إلى معارك ل”الصحون الطائرة”.
لا ينسى المغاربة زعماء أمثال عبد الرحيم بوعيد، وعلال الفاسي وعبد الكريم الخطيب، والمعطي بوعبيد، وكتاب ومفكرين تنبؤوا بخطر غياب النخب رغم أنها مؤشر قوي يترجم مدى حيوية المجتمع ومدى قابليته لبلورة مشروع حداثي، لأنها مشتل سياسي يبلور منظومة من القيم ومشاريع الأفكار التي تطبع هوية ذلك المجتمع.
للأسف، لم تعد هناك نخب تنتج الأفكار والمشاريع، وفُتح الباب على مصراعيه لنماذج أخرى من “النخب” تنتج العبث، وتفتي في الشأن العام، و”تقول مالا تفعل”… فئات تتسابق على كراسي المسؤولية بانتهازية وتدعي الطهرانية، وتدافع عن مصالحها الضيقة ب”شعبوية”، والأمثلة كثيرة.
أصبح الرأي العام، في زمن الثورة التكنولوجية، تائها بين أشباه النخب، ويتتبع فصولا من “مسرحيات هزلية”، ويعاين وطنيا ومحليا مجالس منتخبة فاقدة للروح وعاجزة عن إبداع مشاريع سياسية جديدة… التاريخ لا يرحم، وحتما سيسجل أن المرحلة الحالية استأسد فيها العابثون، واستسلم فيها النزهاء أمام المنتفعين و”المصلحيين”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى