الأولى

حديث الصباح: أمينة.. سم الحياة.. سم القانون وسم الموت

وفاتها درس لوعينا ولمشاعرنا ولأخلاقنا ولذكائنا ولنفاقنا وكذبنا وعبث خطابنا وإعلامنا

اغتصبت أمينة الفيلالي مرات ثلاث، أولاها لما هيتَ بها من فحل من أكَلَة لحم البشر ذاق طعم الأنثى وبصم عليه من ذكوريته، وثانيها لما قُدمَت أمينة هدية لفراشه ليقتحمها كالبطل المنتصر، وبيده وثيقة الملكية الدائمة لها من توقيع سيادة القاضي المكلف بالقاصرات تحت اسم «عقد حلال» لتصبح «لحما حلالا» ولتنتقل أمينة، بعقد

نكاح، من طفلة ضحية بريئة إلى رتبة «وما ملكت شهواتهم»، وثالثها لما تجرعت أمينة موتها قطرات على يد مُسْتَهلكها، ودخلت «حريم» طائش سفيه فوق نعش القانون وتغطية المادة 475 من قانوننا الجنائي، لتنتهي ملحمة الليث وابتسامته الماكرة أمام جثة أمينة المفخخة بسم الحياة التي تجرعت مراراته تحت سقف زواج كتبت فقراته بدموع أمينة وكآبة أم أمينة وحزن أب أمينة.
وداعا أمينة، لقد قرؤوا عليكِ الفاتحة يوم عقدوا عليك، وقرؤوا الفاتحة لما وضعوك بالقبر، وباركوا للزوج لما حملوك إلى فراشه، وباركوا للزوج لما غسلوا جرمه وإِثمَه بصك وبإشهاد عدلين، وباركوا للزوج لما برؤوه قبل المحاكمة، وبرؤوه دون محاكمة، ولما قرروا دفن المتابعة القضائية، ولما قرروا مسح العار الأصغر بالعار الأكبر، ولما قرروا ألا تموت أمينة موتتها الطبيعية في الأجل المكتوب بعز وشرف ليستعجلوها بالموت بالسم.
أينكم يا من أفتيتم بزواج القاصرات، أينكم يا من أفتيتم بحق مواقعة الرجل لزوجته الميتة، أينكم يا من ترون في حقوق المرأة والطفلة والأطفال عقوقا للشريعة وشرودا عن نظام الطبيعة والحياة، ما لكم يا علماء المجالس العلمية صامتون، تكلمتم في السياسة والدستور والانتخابات ووو… ، ولم نسمع منكم كلمة في حق أمينة لا قبل ولا بعد وفاتها، وتركتم أمينة يرثيها بنات العالم وصحافة العالم وأحرار العالم، لتستقبلها ملائكة السماوات بشعائرهم وبصلواتهم، إلا أنتم فلم نقرأ لكم كلمة.   
ماتت أمينة، ليخرج أطفالنا وأبناؤنا ومعهم الأمهات والأخوات والآباء وكل حرات وأحرار المغرب بهيآتهم المدنية وهم يبكون أمينتهم بدموع الكلمات والشعارات والاحتجاجات، ووقفوا واعتصموا بحرارة وهم يقتحمون سخافة القانون وإهمال السلطة وعنف المحاكم وشطط القضاء، وهم يقرؤون، بذهول شديد، في قانون الأسرة وقانون الأطفال والقانون الجنائي، ما يبيح التمييز بسبب الجنس وبسبب السن، وما يبيح تبييض العنف ضد النساء وضد الطفلات القاصرات، وما يشرعن جاهلية جديدة ضدهن بلسان حداثة مصطنعة توظف الشريعة والاجتهاد والتقاليد والتأويل ليصبح سيفا ضد حقوق المواطنة والحرية والقيم الكونية، ونفاقا إيديولوجيا يبرر موت أمينة وموت المئات من أمينات الأخريات اللائي لا يعرف أحد منا مصيرهن وأحوالهن في قبورهن.
وفاة أمينة درس لوعينا ولمشاعرنا ولأخلاقنا ولذكائنا، درس لنفاقنا وكذبنا وعبث خطابنا وإعلامنا، درس للدولة والسلطة والمؤسسات، لا بد لنا من قراءتها قراءات متعددة.
وفاة أمينة درس سياسي لنا، يعلمنا أن الدستور واتفاقية حقوق الطفل وقوانين الأسرة والمرأة وحماية القاصرات، كلها وغيرها، قوانين مبللة بدموع ضحايا المجتمع، لن تجففها إلا إرادة سياسية تترجمها خطة ومنهجية وطنية تقطع مع تغليف حقوقهن بثوب الدين، وتقطع مع تحجير المرأة والبنت تحت عباءة الرجل، وتنهي التمييز بسبب الجنس كثقافة للدولة تخلط فيها السياسة بالدين ليستعملها المحافظون والمتأسلمون سيفا فوق الرؤوس.
وفاة أمينة درس قانوني لنا، يفرض علينا أن نلائم تشريعنا مع المواثيق الدولية والكونية المتعلقة بحقوق الإنسان وبالخصوص حقوق المرأة وحقوق الطفل، ويفرض علينا أن نعلن عجز قانوننا العقابي على حالته توفير الأمن الإنساني للقاصرات من بناتنا وضمان حقوقهن بشكل كامل وحقيقي، مما يدعو باستعجال إلى فتح حوار وطني ومجتمعي واسع بين الدولة والحكومة والبرلمان وبين هيئات المجتمع المدني للبحث عن مقاربة حقوقية وقانونية أخرى قبل أن ننكب على تعديل نصوص القانون ونص المادة 475 من القانون الجنائي.

 

وفاة أمينة درس مؤسساتي ينادينا باستعجال كذلك، من أجل أن تنهض المؤسسات الدستورية بمهامها وتتحمل مسؤولية عجزها أو تهاونها أو تماطلها أو تواطئها، فلابد اليوم أن يقوم القضاء بأداء دوره الحمائي والأمني والمجتمعي، أي لا بد أن يقطع مع تبييض جرائم الاعتداء على الأطفال والقاصرات وعدم المرور عبر كرامتهن باسم الصلح أو وقف الفضيحة، وعدم التسامح مع الاعتداء ومع المعتدين بدعوى التزويج والزواج، لأن نقل القاصر الضحية من مكان إلى آخر لن ينسيها بشاعة الاعتداء، وتركها بين يدي المعتدي ما هو إلا تشجيع لكل المعتدين على إختطاف ضحاياهم والتنكيل بكرامتهن لأنهم يعلمون مسبقا بالحل السحري وراء الغش القانوني الذي يعفيهم من المتابعة القاضائية ومساءلتهم امام جرائمهم بكلمة وقرار “الزواج منهن”، حل تافه مريض لا يشفي جراح الضحايا وآلامهن، ولابد أن تقوم المؤسسات الوسيطة كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط بوظيفة التتبع والمساءلة والاقتراح أمام حالات القاصرين والقاصرات ضحايا الاعتداءات، تجاه الحكومة وتجاه المشرع وتجاه القضاء، ولابد للبرلمان، الأغلبية والمعارضة سواء، أن يتدخل بما له من صلاحيات في مجال التشريع والمراقبة على الحكومة وسياستها، ليقرر في القوانين الفاسدة والناقصة وسد الخصاص وملاءمة ما يحتاج للملاءمة وهو كثير، وتفعيل سياسة تقصي الحقائق لترقى فعالية اللجن البرلمانية في هذا الصدد إلى المستوى المشرف.
وفاة أمينة، تفرض اليوم قبل الغد أن نعرف كيف تقع هذه الجرائم أي الاعتداءات على القاصرات، وهتك عرضهن بالعنف أو بالرضى المفروض أو المصطنع، وأن نستمع إلى الضحايا لمعرفة شعورهن وقت الحادث وبعده والاستماع إلى معاناتهن ومعاناة آبائهن عند تقديم الشكاية والبحث عن الشهود والإلتجاء للأطباء وللقضاة بالنايبة العامة وللمحامين، ولنعرف كيف يتم تناول هذه الملفات من طرف قضاء الأسرة؟ وما هو البعد الذي يأخذه القضاة تجاه مقترح الزواج سواء قدم من الآباء أو من المذنبين؟
وفاة أمينة يفرض اليوم أن يبادر وزير العدل والحريات إلى تأسيس لجنة تفتيش أو تحقيق مشتركة بين وزارته وبين المجتمع المدني الذي أصبح دوره معترفا به دستوريا، ومع قطاعات حكومية أخرى، للقيام بدراسة وطنية وتحقيق علمي حول حالات القاصرات بكل انحاء المغرب اللاتي تعرضن للاغتصاب، والبحث في الطرق التي استعملت في معالجة قضيتهم على مستوى أجهزة الأمن، وعلى مستوى أجهزة النيابة العامة، وعلى مستوى قضاء الأسرة، وعلى مستوى القضاء الجنحي، وعلى مستوى القضاء الجنائي، والاطلاع على كل الملفات قصد التأكد كيف تمت دراستها وهل كانت قرارتها شفافة، وهل تمت تحت تأثير أو ضغط جهة ما أو شخصية نافدة؟ وكيف اتخذت فيها قرارات المتابعة أو الحفظ، والقيام ببحث بواسطة مختصين اجتماعيين بشكل واسع وشامل للتعرف على أوضاع القاصرات اللائي تزوجهن مختطفوهن، ومعرفة حياتهن ومعاشهن وعلاقتهن ببيوتهن وبعائلاتهن ومحيطهن، والبحث بواسطة أطباء متخصصين عن مدى استقرارهن النفسي وإدماجهن والاجتماعي، خصوصا أن ما نشر من إحصاء يتحدث عما يزيد عن ثمانين ألف قاصر ما بين سنتي 2007 و2010 كن ضحية اعتداء كما كانت ضحيته أمينة.
وأن مثل هذا القرار هو ما سيمكن الدولة من رسم خطة حمائية واجتماعية لفائدة أطفالنا القاصرين والقاصرات، حتى نقول ربما لن تتكرر وفاة قاصر أخرى لتكون أمينة آخر الضحايا، وليكون مفترسها آخر الذئاب، ولنقول مع الفيلسوف ديدرو: “إن الراعي الذي يحمي الذئاب لا يحب الخرفان”.
إن أمينة شهيدة كل القاصرات، إنها تقول لنا: لا تبحثوا هل الموت مؤنث أو مذكر، أريدكم أن تدفنوا معي كل ضحاياكم من بناتكم، فإنني سأؤسس معهن في القبر محكمتنا لمحاكمتكم.

بقلم: النقيب عبد الرحيم الجامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق