الأولى

حديث الصباح: دنيا باطما… إلى متى يظل زامر حينا لا يطرب؟

إذا كانت الرداءة “وطنية” فليست مبررا للقبول بها أو الدفاع عنها باسم الهوية والوطنية

كنت أريد تخصيص مادة هذا الأربعاء للحديث عن التوافقات الممكنة بين مختلف الأطراف التي يتشكل منها واقعنا السياسي، سواء كانت في الحكومة أو البرلمان، أو خارجهما بهدف تخليق الحياة العامة، لكن متابعاتي الأخيرة لبرنامج «أراب أيدول» ألحت علي لتناول موضوع يتعلق بالفن والتلفزيون وعلاقتهما بالمجتمع.
لست من هواة التلفزيون ولا المدمنين عليه. أتطلع إليه بين الفينة والأخرى لمتابعة بعض البرامج أو الأخبار أو الأفلام التي تعجبني. برنامجا «أراب أيدول» و«ستار أكاديمي» وأضرابهما من البرامج التي يشكك في مصادر تمويلها وتوجهاتها، لا أفكر أبدا في متابعتها، لكن برنامج «أراب أيدول» ألح علي هذه المرة، فتابعت بضع حلقاته، وأنا متشوف لمتابعة باقي الحلقات.
ما الذي يجعل المشاهد يدمن بعض البرامج ويتابعها، حتى وإن كانت حلقاتها متعددة، ويبرمج وقته لعدم تضييع أي منها؟ لم أطرح على نفسي هذا السؤال بالحدة التي أطرحها الآن، وأنا أعاين الأحداث والأمهات والبنات، يتابعون باهتمام بالغ مباريات كرة القدم الإسبانية، أو يترصدن المسلسلات التركية والمكسيكية المدبلجة. لا جرم أن التلفزيون وسيط من الوسائط التي تسهم في نقل المعلومات والمعارف والمتعة الفنية، ولذلك لا يخلو منه بيت. وعندما نتساءل: ما الذي يجعل مواطنا من المغرب يتابع ما يجري في قنوات أجنبية من مباريات لا يوجد فيها مغاربة؟ وما الذي يسمح له بالاهتمام بمتابعة مسلسلات أو أفلام غير «وطنية»؟ جوابا على هذا النوع من الأسئلة نؤكد أن الحرص على التعامل مع هذا الوسيط ينبني على ما يوفره له من معلومات ومعارف ومتع فنية بغض النظر عن الهوية واللغة والثقافة الخاصة التي ينتمي إليها، وبعيدا حتى عن العولمة التي صار يبرر بها الفشل الداخلي، وأن الرداءة إذا كانت «وطنية» فليست مبررا للقبول بها أو الدفاع عنها باسم الهوية والوطنية.
عندما تمتلئ المقهى المغربية برواد من مختلف الأعمار لمتابعة مباراة بين البارصا وريال مدريد، وأنا في وضعية شرود إزاء ما يجري من حولي، تستفزني مشاعر التفاعل مع بعض لقطات المباراة فأجدني أتساءل بعد توقيف عملي لمتابعة ما يحصل، فأرى المشهد فعلا مثيرا للمتابعة والانفعال. وقد أنخرط في مواصلة جزء من المباراة مستمتعا بفنية اللعب الراقية وروح التنافسية الجميلة، وأنا الذي أحببت الكرة ومارستها بعشق فأستعيد طفولتي وأسرق لحظات للتمتع بما يجري. وعندما أجدني وقت تناول العشاء أمام «حريم السلطان» أواكب تطورات الأحداث وأقرأ ملامح الممثلين وتحولات المشاهد باهتمام وتركيز، ألفي نفسي أتراجع عن اتهام المتابعين للحلقات بتضييع الوقت وتزجيته فيما لا يفيد.

منذ زمان لم أتابع مباريات منتخب المغرب، وقلما أتابع المسلسلات المغربية، وحاولت مرارا، من باب “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”، أن أجد ما يشدني إلى المباراة أو المسلسل، فإذا بي أخرج في أحيان عديدة بالاقتناع بعدم الانتصار للرداءة والضحك على الذقون. وأستنتج أن خير انتصار للرداءة “المغربية” يكمن في نقدها واتخاذ موقف موضوعي منها رغم أن هذا النقد لا يعجب في أغلب الأحيان. هذه الرداءة العامة جعلتني أظل أرى في الكتاب والفضاء الشبكي ضالتي وأختار ما يلائمني لتحصيل المعلومات والمعارف والمتع الفنية، وبذلك ظل تعاملي مع التلفزيون وسيطا عابرا وطارئا.
لكن ما كان يشدني في برنامج “أراب آيدول” هو أولا مشاركة دنيا باطما المغربية. إن تألقها الأدائي وشخصيتها كانا مصدر تقدير لهذه الموهبة الفتية. كما أن الملاحظات الفنية التي كانت توجه إلى المتنافسين على قدر من الذكاء والموضوعية، ثانيا. وفي الحلقات التي شاهدتها من هذا البرنامج وجدتني أستمتع بأصوات جيدة، ثالثا، لكن أُولى الأثافيّ كانت الحضور المتألق لدنيا باطما . فالمنافسة قوية وهي رهينة ليس فقط بجودة الأداء ولكن أيضا، وأساسا، بقرارات لجنة التحكيم وتصويت المشاهدين. وفي كل الحلقات التي شاهدت كانت دنيا متألقة ومستعصية على دخول منطقة الخطر، وكانت التنويهات تتقاطر عليها من منافسيها ولجنة التحكيم.  
إن مشاركة دنيا المتميزة تشرف دنيا وأمها وعائلتها، ولكن هذا التشريف هو أيضاً لكل المغاربة الذين تظل قلوبهم معها، ويتمنون من كل جوارحهم أن تفوز، لأنهم يرون في فوزها فوزا لهم جميعا. فمثل هذه اللحظات لدى المشاهد تعبير عن مطامح تحقيق الذات والسمو بها إلى جانب الإحساس بالانتماء، ولا سيما حين لا تتوفر له الإمكانات الملائمة التي تتيح له الانخراط في تجسيد ما يحقق سموه الذاتي وشعوره بالانتماء.  
لقد نجحت دنيا باطما في ما فشل فيه منتخب المغرب، فوحدت القلوب وجعلتها تفتخر بانتمائها المغربي. ومثلها كاتبات وكتاب شباب مغاربة ينجحون في ما نجحت فيه دنيا يتألقون بأعمالهم الإبداعية ويحصدون جوائز في القصة والرواية والشعر في مسابقات عربية في الشارقة ودبي والقاهرة وبيروت،،، لكن وسائل إعلامنا لا تتابع أخبارهم، وإذا فعلت تقدمها في زاوية ضيقة كالتي تخصص للتعازي؟ لا نريد لإعلامنا الترويج لأعمال فنانينا وكتابنا ومبدعينا ومثقفينا  بالباطل. نريده فقط أن يواكب النجاحات التي يثبتها الأفراد المغاربة، كل في مجاله، ويقدمها بشكل مناسب، تأكيدا للهوية وتعزيزا للانتماء، ففي ذلك نوع من المكافأة والاعتراف. وهذا أقصى ما تطلبه هذه الطاقات الإبداعية في زمن الجحود والإقصاء. فإلى متى يظل زامر حينا لا يطرب؟

بقلم : سعيد يقطين, كاتب وناقد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق