بانوراما

محاكمات فوق العادة … “ماشي خويا”

هي محاكمات وقضايا غير عادية، ليس بسبب موضوعها أو خطورة الجرم المرتكب أو حساسيتها، وغيرها من الأسباب التي يمكن أن تطبع المحاكمة وتجعلها تخرج عن المألوف. المثير في هذه المحاكمات هي أنها تخص العالم القروي، حيث الإنسان يجهل إلى حد كبير المعرفة القانونية للحقوق والواجبات، وأن مجرد الوقوف أمام القاضي يتطلب من الشخص التوفر على جرأة وقدرة كبيرتين، إلا أنه في حالات عدة انقلبت الآية وكان لتدخل المتقاضين أو أجوبتهم تغيير في مسار القضايا.

كريمة مصلي

“جري طوالك… الأرض أرضي وانت مكنعرفكش”
“ماشي خويا” كانت الجملة التي أجاب بها محمد هيأة المحكمة، عندما سأله القاضي عن العلاقة التي تجمعه ببوشعيب المشتكى به.

ظل محمد يردد ذلك أمام هيأة المحكمة، رغم تدخل القاضي لثنيه عن الحديث دون أن توجه إليه أسئلة، في حين كان بوشعيب يقسم أنه أخوه، العلاقة المبهمة بين طرفي النزاع حول الترامي على ملك الغير، وهي الدعوى التي رفعها محمد ضد أخيه يتهمه فيها أنه ترامى على أرضه وعمل على حرثها دون موجب حق، جعلت القاضي يقرر تأخير الملف إلى جلسة ثانية واستدعاء شهود النفي والإثبات.
خلال الجلسة الثانية للمحاكمة التي حضرها الطرفان، وجهت هيأة المحكمة أسئلة إلى محمد حول ادعاءاته بشأن الشكاية، فأكد له أنه تفاجأ بالمدعو بوشعيب الغريب عن الدوار يحرث الأرض رغم أنه لا يملكها، ولا تربطه به أي عقد كراء او استغلال، في تلك اللحظة تدخل بوشعيب وقال إن الأرض التي يتحدث عنها تخصه وورثها عن والده، وبحكم عمله في المدينة فقد أوكل رعايتها إلى أخيه، وظل على ذلك الحال لسنوات، إلا أنه ارتأى بعد حصوله على التقاعد أن يستغلها، وهو الشيء الذي رفضه أخوه، وكلما تحدث في الموضوع إلا وأجابه أنه لا يملك شيئا ويقول له “جري طوالك”، وقبل أن يختم حديثه أمام الهيأة قاطعه أخوه، وقال له “حتى دابا جري طوالك رَاه الارض أرضي وأنت مكنعرفكش”، وكادا أن يتشابكا بالأيدي، فتدخل القاضي وحذرهما من تكرار ذلك.

توجه القاضي بالسؤال إلى محمد هل يتوفر على وثائق تثبت ملكيته للأرض المتنازع عليها، فأخبره أنه ورثها من والده المتوفى ومنح رسم الإراثة ونسخة من الملكية على الشياع بينه وبين أخيه، فجاء دور بوشعيب في الإجابة عن أسئلة المحكمة، فأكد أن الأرض المتنازع عنها تخصه، ولا علاقة لأخيه بها وقدم للمحكمة وثائق تثبت ملكيته للأرض، إذ أفاد أنه ورثها من والده والتمس من المحكمة الاستعانة بشهادة أحمد جاره وابن الدوار، الذي وقف امام الهيأة ودون استئذان، شرع في الحديث قائلا إن بوشعيب ليس أخا محمد، فقاطعه القاضي وسأله “من أعطاك الكلمة وسمح لك بالوقوف أمام الهيأة والحديث”.

الطريقة التي خاطب بها القاضي الشاهد المفترض الذي شعر بصعوبة الموقف الذي وجد نفسه فيه، حاول البحث عن مخرج بعدما أحسن أنه وقع في شر أعماله، ففي الوقت الذي كان ينوي فيه نصرة بوشعيب ضد محمد وتقديم شهادة زور، أصبح في موقف لا يحسد عليه ويمكن متابعته خاصة بعد ان أخبره القاضي أنه سوف تتم متابعته بشأن الشهادة الزُّور.

فتراجع عن الشهادة الأولى، وأخبر المحكمة أنهما بالفعل شقيقان إلا ان كل واحد منهما يحمل لقب غير الثاني، وأنه بعدما عاد محمد وأراد استغلال الأرض، شعر بوشعيب بخوف من أن يتم حرمانه من الأرض التي يعتبرها إرث العائلة الذي يجب الحفاظ عليه، خاصة أنه يعيش في المدينة ويمكن أن يبيعها، وأمام ذلك الخوف الذي انتابه فكر في الاستحواذ عليها مستغلا مسألة اللقب، وساعده في ذلك أحمد بعد استشارة وجهاء القبيلة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق