مجتمع

غرناطة… ابنة الأندلس تستعيد وجهها العربي

الماضي الأندلسي يبصم حاضر المدينة يعززه الوجود القوي للمغاربة

في غرناطة، كل شيء مختلف. رائحة التاريخ تفوح من المنازل القرمودية التي تتشح بالبياض، مذكرة بالماضي العربي لإحدى أهم حواضر الأندلس، التي ظلت تقاوم الهجمات الصليبية القادمة من الشمال والغرب، قبل أن تسقط في يد فيرناندو الثاني،

ويبكي عليها أبو عبد الله الصغير، كالنساء، ملكا لم يحفظه كالرجال. في هذه المدينة التي تقبع هادئة بين سلسلة جبال “سييرا نيفادا” الثلجية، يشم الزائر لها عبقا أندلسيا قديما، يجدده الحضور القوي للجالية المغربية.

وريثة الأندلس
اسم غرناطة وحده يثير في ذهن سامعه الكثير من التخيلات المرتبطة بما تلقيناه من معارف في سنوات الطفولة، فهي بطلة قصيدة نزار قباني وهي أصل الطرب الغرناطي المنتشر في وجدة وتلمسان، وبها قصر الحمراء الشهير، وهي أيضا آخر معاقل المسلمين في الأندلس. كل هذه الأمور تتبادر إلى الذهن عندما تطأ قدماك أرض هذه المدينة، وتحاول جاهدا أن تجد لها مرجعيات في الواقع، فتجد نفسك تنجذب بسحر أشياء أخرى تكتشفها للمرة الأولى.
خلال تجولك في أحياء غرناطة، تشعر بشساعة ما تحمله هذه المدينة رغم مساحتها الضيقة مقارنة مع المدن الاسبانية الكبرى. تجوب شوارعها واحدا واحدا،  لتعود إلى مركزها قرب قوس “البيرة”، حيث مدخل حي البيازين الشهير، أصل المدينة القديمة في العصر الأندلسي. كل شيء قريب في غرناطة، الأحياء والشوارع وحتى الناس، الذين لا يجدون غضاضة مثلا في طلب القليل من الملح من جارهم الجديد، بغية التعرف والسؤال عن الساكن الجديد الذين جاء ليقاسمهم حيهم.
وبالنسبة إلى الزائر الجديد لغرناطة، فإن قصر الحمراء يظل المقصد الأول له في المدينة، ذلك أنه يعتبر المعلمة الأشهر فيها، بل في إسبانيا كلها والأكثر جلبا للسياح في البلد، حتى أضحى محل تجاذب بين بلدية المدينة ووزارة الثقافة المركزية في مدريد، حول تقاسم مداخيل القصر السياحية، والتي تشكل الرافد المالي الأول لغرناطة. وفي الطريق نحو هذه التحفة المعمارية، قد تتذكر لا محالة ابنة غرناطة، تطوان، في دروبها الضيقة وعقباتها ورائحة زهور أشجار البرتقال، قبل أن تصل إلى المقصد، فتفاجئ بأن الأمر لا يتعلق بقصر عاد كما قد يتبادر إلى الذهن، بل بحي كبير يضم مقر سكنى ملوك بني الأحمر، وأيضا الوزراء والحجاب وباقي أفراد الحاشية الملكية من خدم وجوار وغيرهم، لا يختلف في تصميمه وتفاصيله المعمارية عن المعالم المغربية التي يعود أصلها إلى العصر الموحدي. عندما تتجول في مرافقه، تشعر بالانتماء والحنين إلى فترة من التاريخ كان أجدادنا المغاربة صناعها، خصوصا عندما تجد نفسك تتهجأ الأبيات الشعرية العربية المنقوشة على جدرانها، تفهمها، وتتفاعل معها بابتسامة خفيفة وشعور بالفخر، في الوقت الذي يرقبك فيه باقي السياح بتعجب كبير، وهم يكتفون بالتقاط الصور أمام هذه النقوش الجميلة، التي تقاوم الزمن لتشهد على حضارة بلغت من الإبداع والرقي مراحل متقدمة، باعتراف الإسبان والمسلمين على حد سواء. وداخل جنبات القصر المقسمة إلى أحياء وحدائق وفضاءات مختلفة، يقبع قصر آخر يشد الانتباه لا محالة، لا لشيء سوى لتصميمه المعماري الذي يختلف كثيرا عن ما حوله، إنه قصر كارلوس الخامس، الذي حاول إقامة معلمة تضاهي قصر الحمراء بهاء، فكانت النتيجة بعيدة قطعا عن ما أراده، ولعل العدد القليل للسياح الذين يجوبون فناءه، الأشبه بفناء حلبة مصارعة أو سجن كبير، لخير دليل على ذلك.

مغاربة غرناطة: بين الدراسة والتجارة
بني قصر الحمراء على هضبة عليا تطل على مدينة غرناطة، ومنه تتراءى للزائر أحياء المدينة القديمة وسطوح منازلها. وغير بعيد عنها، يقع حي تجاري يعرف بحي المغاربة، لكثرة التجار المغاربة فيه. أغلب التجار المغاربة في المدينة  مختصون في تجارة المنتوجات التقليدية أو ما  يعرف بمحلات «البازارات».
يتذكر المقيمون في المدينة كيف كان حي «ألكالديريريا» هادئا فارغا، قبل أن تفتح فيه المحلات التجارية المغربية في أواسط تسعينات القرن الماضي، وتدب الحياة في الحي الواقع في منطقة «ألبيازين» القديمة. أزيد من ثلاثة عشر محلا تعود ملكيتها لمهاجرين مغاربة، بالإضافة إلى محلات تقديم الشاي أو ما يعرف ب «تيتيريا»، أكسبت الحي هوية جديدة.
تجد في هذه المحلات كل السلع التي قد تجدها في المحلات الشبيهة هنا في المغرب، من “قنادر” وملابس جلدية  و”فناير” وزرابي مغربية وغيرها، يجلبها التجار من المغرب، بالإضافة إلى المنتوجات الهندية والآسيوية بصفة عامة، التي يعرضونها داخل المحلات وخارجها. وكان التجار قد دخلوا في شد وجذب مع السلطات المحلية بسبب عرض السلع خارج المحلات، وهو الأمر الذي ترفضه البلدية، التي غرمت في السابق عددا منهم، إلا أن الحركة التجارية النشيطة التي تتسبب فيها هذه المحلات دفعت السلطات المحلية بالمدينة إلى غض الطرف.
لكن الأزمة الاقتصادية التي تعرفها إسبانيا في الفترة الأخيرة أثرت بشكل كبير على التجارة في المدينة، كما يؤكد أحد التجار المغاربة الذي يقول «إسبانيا تعيش أزمة اقتصادية خانقة، تضررنا منها بشكل كبير، خصوصا نحن المغاربة المقيمين في مدينة غرناطة، التي تعتبر مدينة صغيرة ولا تتمتع بأفاق اقتصادية كبرى، كما هو الحال بالنسبة إلى مدن اسبانية أخرى مثل مدريد أو برشلونة. وأنا أعرف الكثير من التجار المغاربة الذين اضطروا إلى إقفال محالهم بعدما رأوا تجارتهم تتجه نحو الإفلاس».   تتميز غرناطة باستقطابها نسبة كبيرة من الجالية المغربية، التي تتوزع بين التجار من جهة، والطلبة الجامعيين. ذلك أن المدينة تعتبر جامعية بامتياز، وتستقبل الآلاف من الطلبة المغاربة، خصوصا في كلية الصيدلة. وكانت المدينة، إلى غاية وقت قريب، المقصد الأول للطلبة الجامعيين المغاربة في إسبانيا، وذلك بسبب اتفاقيات الشراكة والتعاون التي تبرمها جامعة المدينة مع المؤسسات الجامعية المغربية، قبل أن تظهر وجهات جامعية أخرى في السنوات الأخيرة في منطقة الأندلس، مما أدى إلى تراجع عدد الطلبة المغاربة، وهو التراجع الذي يعزوه الطلبة إلى صرامة سلطات الهجرة الاسبانية في التعامل مع الطلبة الأجانب والمغاربة بشكل خاص، بفرضها التفوق الدراسي والنجاح في نسبة معينة من المواد شرطا من أجل تجديد بطاقة الإقامة، فأصبح الحصول على عقد عمل مسعى كثيرين من أجل الحصول على بطاقة الإقامة، وهو الأمر الذي أضحى بدوره صعبا في الفترة الأخيرة بسبب الأزمة الاقتصادية في اسبانيا، مما دفع كثيرين إلى سلك طريق العودة نحو المغرب، في انتظار توضح الرؤية، هنا أو هناك.

صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق