fbpx
الرياضة

دورية لفتيت… حل أم أزمة؟

تصدت للريع واستغلال النفوذ لكنها لم تقدم بدائل كافية لتمويل الفرق والجمعيات
تفرز دورية وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، المتعلقة بدعم الجمعيات، بما فيها الجمعيات الرياضية، مجموعة من المعطيات، أبرزها أن الدورية تصدت للريع الجمعوي، واستغلال النفوذ والفساد المستشري في هذا الباب، لكنها في الوقت نفسه تطرح عدة إشكالات أخرى، بخصوص مصير الجمعيات، التي تعتمد في تسييرها على هذا الدعم، ما يعرضها إلى التفقير، ويعمق مشاكلها المالية.

لفتيت: الدعم لا يحترم القانون

أمر وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت الجماعات الترابية بفئاتها الثلاث، أي مجالس الجهات ومجالس العمالات والأقاليم والمجالس الجماعية، بالالتزام بالمقتضيات والنصوص القانونية المنظمة لمنح الجمعيات والمنظمات المدنية والمؤسسات الخاصة، سواء تعلق الأمر بتوزيع المساعدات ودعم الجمعيات، أو إبرام اتفاقيات التعاون والشراكة معها.
وأثار لفتيت في دوريته التي وجهها إلى الولاة والعمال منتصف أبريل الجاري، أن تعامل الجماعات الترابية مع الجمعيات لا يحترم، في حالات عديدة، المقتضيات القانونية المنظمة لتوزيع الدعم، وعقد الشراكات مع الجمعيات، مبرزا أن مجموعة من طلبات الاستشارة حول الموضوع لا تفتأ ترد على المصالح المختصة بالوزارة.
وأوضح لفتيت أن الدورية تهدف إلى تبيان القواعد التي يجب احترامها من قبل الجماعات الترابية، أثناء توزيع الدعم، أو المساعدات، على الجمعيات، أو عقد الشراكات معها، داعيا في السياق ذاته الولاة والعمال إلى أخذ ما تتضمنه المذكرة بعين الاعتبار، عند ممارستهم لمهام المراقبة الإدارية.

المساعدة ليست هي الشراكة

نبه وزير الداخلية إلى أنه ينبغي التمييز بين توزيع المساعدات ودعم الجمعيات من جهة، وبين إبرام اتفاقيات التعاون والشراكات معها  من جهة ثانية، مؤكدا أن دعم الجمعيات وتوزيع المساعدات عليها ورد بشكل حصري ضمن صلاحيات المجالس الجماعية، ولا يوجد في القانون التنظيمي ما يسمح لمجالس الجهات أو مجالس العمالات والأقاليم بفعل ذلك.
وأشار لفتيت إلى أن تقديم المجالس الجماعية للدعم والمساعدات للجمعيات ينبغي أن يمر من خلال مقرر للمجلس، يحدد بواسطته الجمعيات المستفيدة النشيطة داخل تراب الجماعة المعنية، كما يحدد المبالغ الجزافية المخصصة لها، مؤكدا في الآن ذاته أن إبرام اتفاقيات التعاون والشراكة هو اختصاص ذاتي للجماعات الترابية الثلاث، كما هو مبين في القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية.

التصدي لاستغلال النفوذ

حاولت دورية وزير الداخلية التصدي لاستغلال النفوذ، من قبل مستشاري الجماعات المحلية الذين ينشطون في جمعيات مدنية، ويسخرون نفوذهم لضمان استفادة جمعياتهم من الدعم، من أجل استغلال هذه الجمعيات لأهداف مالية وسياسية.
وجاء ضمن المذكرة أنه “تفاديا لحالات استغلال النفوذ، تمنع القوانين التنظيمية تمكين الجمعيات التي ينتمي إليها أحد أعضاء الجماعة الترابية من توقيع اتفاقيات الشراكة أو التمويل، معتبرة أن توقيعها هو أمر مخالف للقانون، وموجب للتعرض والبطلان، باعتبار ذلك من أوجه ربط مصالح خاصة، مع ما يترتب عنه من متابعة للعضو الذي ثبت إخلاله بالمقتضيات المتعلقة بهذا الشأن”، الأمر الذي يحيل على الفصل 65 من مدونة الجماعات المحلية.
وإذا حسمت الدورية في منع المستشارين الجمعويين من توقيع شراكات واتفاقيات بين جمعياتهم والجماعات الترابية التي ينتمون إليها، فإنها تركت الباب مفتوحا نسبيا، في وجه تقديم دعم أو مساعدة، وذلك في إطار التمييز بين الشراكة والاتفاقية من جهة، والدعم والمساعدات من جهة ثانية.
وفي السياق ذاته، أكدت المذكرة الوزارية أن المنع لا يشمل دعم ومساعدات المجالس الجماعية للجمعيات بمبالغ مالية جزافية، حتى وإن كان أحد أعضائها عضوا بالمجلس الجماعي المعني، إلا أن ذلك مشروط بعدم مشاركة العضو الجماعي في الجمعيات التي ستستفيد من الدعم، في المناقشة والتصويت على المقرر المتعلق بتوزيع الدعم والمساعدة على الجمعيات المنخرط بها.
وأضافت المذكرة، في تفسيرها للقوانين المنظمة للجماعات الترابية، أنه بالنسبة لإبرام اتفاقيات التعاون والشراكة مع الجمعيات من قبل الجماعات الترابية، فإنه يجب أن تمر عبر مقررات تتخذ بالأغلبية المطلقة للأعضاء المزاولين مهامهم بالجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، مضيفة أنه في حال لم يتأت ذلك، فإن التصويت في الجلسة الموالية التي يعقدها المجلس المعني يتم بأغلبية الأصوات المعبر عنها.

تأشير السلطة قيد آخر

ولم تقف المذكرة عند هذا الحد، بل اشترطت أن تحصل تلك المقررات المتعلقة بالمساعدات والدعم قبل دخولها حيز التنفيذ، على التأشير من قبل سلطة الوصاية (الولايات والعمالات )، في حال كان للمقرر وقع مالي على نفقات أو مداخيل الجماعات الترابية المعنية.
ودعت دورية وزير الداخلية الولاة والعمال إلى “الحرص على إلزام الجماعات الترابية باحترام مختلف الشروط، والقواعد المتعلقة بالتعامل مع الجمعيات، بما يخدم الصالح العام والتنمية الترابية المنشودة”.
إنجاز: عبد الإله المتقي

ما مصير الجمعيات والفرق؟
لم تقدم دورية وزير الداخلية إلى الولاة والعمل بخصوص تنظيم دعم الجماعات المحلية للفرق والجمعيات، بشكل عام، وتوقيع شراكات معها، بدائل كافية، لتمكين هذه الجمعيات من الاستفادة من المال العمومي، بطرق معقولة وشفافة ومربوطة بالمحاسبة.
وأظهرت الدورية حزما كافيا في ما يتعلق بمنع استغلال النفوذ، من خلال منع “المستشارين الجمعويين” من الاستفادة من الشراكات والاتفاقيات، وهو أمر إيجابي لمنع الاستغلال المالي والسياسي للجمعيات والأندية، عن طريق استعمال مصالح الجماعة الترابية، لكن الأمر يحتاج إلى حلول بديلة، وتقنين كاف، على غرار توحيد الدعم وتنظيمه وإخضاعه لآليات جديدة للمراقبة وعقود الأهداف وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الدعوة إلى إشراك السلطات في مساعدة الفرق والجمعيات على إيجاد موارد مالية من الخواص.
وكان مفترضا وضع سلم وطني لتوحيد الدعم المالي للجمعيات، خصوصا الرياضية منها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، دون اللجوء بالضرورة إلى منع المستشارين الجمعويين من توقيع اتفاقيات الشراكة بين الجماعات التي يسيرونها والجمعية أو النادي الذي ينتمون إليه، ذلك أن هذا المنع يتيح اللجوء إلى أساليب أخرى للتحايل عليه، واستغلال وسائل أخرى، من قبيل تبادل المصالح بين الجماعات، والضغط على المستثمرين والمقاولين لضمان استفادة جمعياتهم من الدعم، وهو الأمر الذي قررت إدارة الضرائب التصدي له، من خلال الاستفسار عن المنح والدعم وعقود الإشهار التي تستفيد منها الجمعيات وإخضاعه للضريبة.

سعيدي: جاءت في وقتها
ما تعليقك على دورية وزير الداخلية بخصوص تنظيم دعم الجمعيات؟
تكتسي أهمية قصوى، وجاءت في وقتها، لتقنين العلاقة بين الجمعيات والجماعات الترابية التي يوجد فيها تسيب كبير من محسوبية وزبونية واستغلال سياسوي. لكن الدورية لم تذكر بخصوصية الجمعيات الرياضية التي يجب أن تكون معتمدة طبقا للمادة 11 للقانون 30-09  والمادة 5 من المرسوم التطبيقي لهذا القانون.

لكن أغلب الجمعيات الرياضية غير معتمدة ومع ذلك تستفيد من الدعم؟
الاعتماد الوزاري للجمعيات الرياضية إلزامي، للاستفادة من الدعم المالي الذي هو من اختصاص الجماعات المحلية وليس المجالس الإقليمية أو الجهوية، كما تم توضيحه في دورية وزير الداخلية. وهذا تم توضيحه أيضا في المرسوم التطبيقي المتعلق بتحديد تبويب الميزانية للجماعات الترابية الذي صدر بالجريدة الرسمية في يوليوز من السنة الماضية.. فاعتماد الجمعيات الرياضية هو دفتر التحملات الرياضي الحقيقي، وتطبيقه سيفرز جمعيات رياضية جادة قادرة على النهوض بالرياضة، ولعب دورها الفاعل في التنمية المستدامة بمفهومها المتعارف عليه عالميا.

وماهو دور مجالس العمالات والجهات؟
كلف المشرع مجالس العمالات أو الأقاليم في إطار اختصاصاتها الذاتية  بتشخيص الحاجيات في المجال الثقافي والرياضي (المادة 79)  وبالتأهيل الاجتماعي، بما فيه الميدان الرياضي (المادة 86) بمقتضى الاختصاصات المشتركة ووفق القانون 113-14 المتعلق بالجماعات المحلية، فهذه الأخيرة هي التي خول لها المشرع توزيع المنح على الجمعيات (المادة 92) )، وأيضا إحداث المنشآت الرياضية من مركبات ومسابح وقاعات(المادة 87).  إنها ترسانة قانونية متناغمة وواضحة يجب فقط تفعيلها بطريقة سليمة. وهذا ما سيساهم في تخليق الحركة الجمعوية بصفة عامة والرياضية بصفة خاصة.

تحدثت الدورية عن اعتماد تقنية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ما المغزى من ذلك؟
لسبب بسيط، وهو أن الدعم أو الشراكات في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية يخضع لمساطر دقيقة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفي إطار المصلحة العامة. في ما يخص الجمعيات الرياضية فستكون أمام الأمر الواقع، أي أن أهداف الفوز بلقب رياضي أو الصعود للقسم الموالي أو تخصيص منح المباريات، والتوقيع وأجور شهرية للممارسين والأطر لا تدخل في الدعم المالي للجماعات. بمعنى أن الدعم أو الشراكة يجب أن تكتسي صفة المنفعة العامة، فمثلا مشروع تمويل مركز لتكوين الفئات الصغرى، أو بناء مركب، أو قاعة مغطاة، يدخل في المصلحة العامة، وهذا ما تحتاجه الرياضة المغربية للنهوض بها، وهو ما ينص عليه الفصل 26 من دستور المملكة المغربية الذي ينص على إلزامية الدعم وفق ضوابط مهنية واحترافية.

ما موقف المجلس الأعلى للحسابات؟
سواء تعلق الأمر بالمجلس الأعلى للحسابات، أو الأمانة العامة للحكومة، أظن أنه في هذه النقطة كان يجب اللجوء للاستشارة القانونية القبلية، لإصدار هذا التفسير في دورية وزير الداخلية.  دور المنتخبين بمجالس الجماعات الترابية هو مواكبة المجتمع المدني وليس الحلول محله. وهذا أمر نجده أيضا في وسط البرلمانيين، وأعتقد أن هذا الأمر يجب أن يتم التنصيص عليه في الأنظمة الأساسية للجمعيات والعصب الجهوية والجامعات الرياضية لمنع كل منتخب بالجماعات الترابية أو البرلمان من أهلية الانتخاب.
(باحث في قوانين الرياضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى