حوادث

دراسة: رفع اللغط عما وقع في الرسالة الموجهة إلى وزير العدل من غلط

تتشدد غالبية الدول الديمقراطية في تفعيل مبدأ “استقلال القضاء”

عبد الرزاق الجباري

لقد أثار انتباه الرأي العام القضائي ما نشرته بعض وسائل الإعلام الوطنية، سواء الإلكترونية منها أم الورقية، من رسالة للدكتور حبيب حنون تحت عنوان: «رسالة إلى الرميد: زيادة أجور القضاة طي لمشروع إصلاح منظومة الأجور بالمغرب».

لعل اللافت في رسالة حبيب حنون التي عنونها ب»رسالة إلى الرميد: زيادة أجور القضاة طي لمشروع إصلاح منظومة الأجور بالمغرب»، هو احتواؤها لمغالطات كثيرة على كافة الصُعُد والمستويات: الفلسفية، والاجتماعية، والقانونية.
بيد أن الأَلْفَتَ في الموضوع، هو أن كلما تعلق الأمر بالوضعية المادية للقاضي –لا باعتبار شخصه وإنما لمؤسسته- تقوم الدنيا ولا تقعد، وتحرر الألسنة من عقالها، وتُجر الأقلام بعد جمودها. ولكن، عندما يتعلق الأمر بوضعية بعض موظفي الدولة الذين يتقاضون أضعاف ما يتقاضاه القاضي، بالإضافة إلى ما يمتازون به من تعويضات مادية ولوجستيكية خيالية ؛ فالكل يحجم عن التعليق إلى حين.
ولئن كان من صميم الروح الديمقراطية أن نحترم آراء غيرنا، فإنها، وبلا شك، كافلة لحقنا في إبداء بعض ما نرتئيه من ملاحظات تعميما للفائدة من جهة، ونفيا لأي جهالة من جهة أخرى، الأمر الذي لا نعدمه عند قراءتنا للرسالة المذكورة، إذ سجلنا حولها بعض الملاحظات، وذلك كالتالي:
ملاحظة فلسفية
جاء في الرسالة موضوع التعليق، أن القاضي موظف من موظفي وزارة العدل، قائلة على لسان كاتبها:»هل يوحي السيد الرميد وزير العدل والحريات لموظفي القطاعات العمومية أن مشروع إصلاح منظومة الأجور في المغرب الذي اشتغلت عليه الحكومة السابقة قد تم طيه؟ وهل بات في ظل دستور 2011 من حق أيها [أي] وزير إقرار الزيادة في أجور موظفي وزارته».
إن أجلى ما يتكشف عنه ظاهر هذا الكلام، هو الخلط الصارخ بين موظفي الدولة –مع احترامنا وإكبارنا المطلق لهم- ورجال القضاء، لأن هؤلاء الأخيرين حسب الدستور الجديد، وباقي الدساتير المقارنة، هم بمثابة القطب من رحى «السلطة القضائية» لا باعتبارها وظيفة عامة، وإنما ركيزة هامة من ركائز الدولة الحديثة.
ولعل ما يزيد وضوح هذه المكانة فلسفيا، ترتيبها ضمن باقي السلط، حيث كانت منذ وضع اللمسات الأولى لفكرة «فصل السلط» التي نادى بها المفكر الشهير مونتيسكيو -وبعدما تلقفتها كل الأنظمة السياسية في العالم- في المرتبة الثالثة، وتسبقها على التوالي: السلطتان التشريعية والتنفيذية. إذ تتأدى حقيقة هذا الترتيب أساسا، في ما يتسم به من طابع رقابي لا غير؛ فالسلطة التنفيذية، هي الجهة المسؤولة عن تسيير الشؤون العامة للدولة، بينما تتحدد وظيفة السلطة التشريعية في رقابة عمل السلطة الأولى، إما بصفة قبلية وذلك بوضع قوانين مؤطرة لعملها، وإما بصفة بعدية عن طريق مساءلتها في البرلمان، في حين، تتمثل وظيفة السلطة القضائية في ضبط ورقابة السلطتين معا. لذلك، فمن غير المستساغ أن ننعت رجال القضاء بالموظفين، نظرا لما في ذلك من انتهاك لاستقلاليتهم التي تستلزم عدم تبعيتهم لأي جهة كيف ما كانت.
وتأسيسا على هذا المقتضى، تتشدد غالبية الدول الديمقراطية في تفعيل مبدأ «استقلال القضاء» وتنزيله على أرض الواقع، وذلك بالنظر إلى وظيفة المؤسسة القضائية وقدسيتها، والتي عبر عنها صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني قائلا:»(..) وإذا بين أيدي القاضي أكبر سلطة وأخطرها في المجتمع، فهو يتحكم في الأنساب والأموال، وفي حريات البشر وأرواحهم، كما أنه مؤتمن على حقوق الدولة ومؤسساتها المقدسة». (كلمة ملقاة أمام أعضاء المجلس الأعلى للقضاء).
وغني عن البيان في هذا الصدد، أن للاضطلاع بهذه المهمة على أكمل وجه، يتوجب على رجال القضاء أن يلتزموا -خلافا لغيرهم من موظفي الدولة- بعدة مبادئ تكاد تقتحم حياتهم الخاصة، من قبيل: واجب التحفظ، والحياد المطلق، والرصانة في القول والعمل، والنزاهة، والاستقامة، والوقار، والحفاظ على شرف المهنة وهيبتها..إلخ، إلا أن المثير هنا، هو: هل يمكن الالتزام بهذه الأخيرة، ووفق الصرامة المطلوبة، في خضم الوضع المادي لرجال القضاء حاليا؟
غير أن ما يذكي حيرتنا في هذا الباب، هو أن كاتب هذه الرسالة باعتباره فاعلا جمعويا، ومن دعاة إصلاح القضاء وإعطائه المكانة التي تليق به كـ»سلطة قضائية»، نجده الآن ينقلب على عَقِبَيه بمجرد التفكير في فتح مسار الإصلاح المنشود، عبر أهم مداخله الأساسية، ألا وهي «تحسين الوضعية المادية لرجال القضاء».  
ملاحظة اجتماعية
جاء أيضا في الرسالة المذكورة، أن: «من الصعب استيعاب أن وزير العدل السيد الرميد سيقدم على الموافقة على هذا الإجراء ما لم يتم التشاور بشأنه، لأنه كان من المناضلين والمؤمنين بضرورة إرساء أسس العدالة الاجتماعية، والتي يعد من إحدى ركائزها تفادي استفادة البعض على حساب البعض الآخر، خصوصا إن كان هذا الأخير يمثل شريحة مجتمعية مهمة جدا».
بادئ الأمر، يتبين أن هذه المقولة، تتبنى فكرة «العدالة الاجتماعية» بِحُلَّتها الكلاسيكية المتجاوزة، والتي تقضي بـ: «ضرورة التوزيع المتوازن للفرص والإمكانات بين جميع المواطنين»، دونما أي اعتبار لما استُجد بخصوصها –أي العدالة الاجتماعية- إذ أضحت، لدى شريحة كبيرة من الباحثين، تتجسد في التوزيع العادل للموارد العامة، والتي تشمل القيم المادية والمعنوية المملوكة لجميع أفراد المجتمع، وأن القيم المادية هي المال العام والمناصب العامة، أما القيم المعنوية، فهي الحريات والحقوق التي يستطيع الأفراد تطويرها بمبادراتهم الخاصة إلى قيم مادية.
وقَمِينٌ بالذكر في هذا المقام، أن توزيع تلك «الموارد العامة» تتجاذبه -لا محالة- قوى مصلحية يكاد يكون من الصعب التصدي لها إلا من طرف قوة مضادة تتسم بالاستقلال والحياد والصرامة، ألا وهي «السلطة القضائية». لذلك، يتوجب على المجتمع بكل مكوناته، أن يعمل، أولا وقبل كل شيء، على تقوية جهاز القضاء وتحصينه بعيدا عن المقارنات المغرضة، لا لشيء سوى حماية موارده المادية والمعنوية، علما أن الوضعية المادية، لا تشكل إلا نقطة أولى من مجموعة النقط التي لا تعدو أن تكون في مُجمَلها تدعيما وتقوية لـ»السلطة القضائية» كجهاز للرقابة.
ولعل الأمثلة على ذلك كثيرة، نجمل منها فقط ما آل إليه الوضع الاقتصادي لدول الاتحاد الأوروبي، وما ترتب عن ذلك من تسريح للعمال، وارتفاع نسبة البطالة أكثر من المغرب، ورغم كل ذلك، لم تتجرأ الشعوب الأوربية على الحديث عن أجور القضاة التي لم تشملها سياسات التقشف، خلافا لباقي المناصب العليا -بما فيها بعض رؤساء دول- لاعتقادهم الجازم بأن «السلطة القضائية» هي صمام أمان لمواردهم المادية والمعنوية، وبالتالي يتعين عليهم عدم المساس بكل ما من شأنه أن يضعف ملاذهم الأول والأخير لحمايتها.
ملاحظة قانونية
ومما تضمنته الرسالة محل التعليق، قول صاحبها: «(..)  ذلك أنه إذا ما تم اتخاذ هذا الإجراء [أي الزيادة] بناء على ضغط من نقابة القضاة، فمما لا شك فيه أن نقابات موظفي القطاعات الأخرى ستكون مضطرة لتسلك السبيل نفسه».
يتضح من خلال هذا المقتضى، أن الأمر قد اختلط على بعض الملاحظين في التمييز بين النقابة والجمعية المهنية، ذلك أن في نظامنا الدستوري، لا يوجد أي أثر لـ»نقابة القضاة»، بل هناك «جمعيات مهنية» ذات طابع نقابي لا أقل ولا أكثر.
ومرد هذا الخلط في اعتقادنا، إلى أن هؤلاء، نسوا أو تناسوا أن الجمعيات المدنية، وكما هو معمول به في كل ديمقراطيات العالم، تتوزع على ثلاثة أنواع: إما أن تكون مدنية بحتة، أو مدنية مُسَيَّسة، أو مدنية مُنَقَّبة. وأن جمعية «نادي قضاة المغرب»، تندرج ضمن هذه الأخيرة، وذلك من حيث أهدافها وسبل تحقيقها، والتي تبقى مشرعة على مختلف الوسائل القانونية الممكنة (المادة 4 من القانون الأساسي).
وترتيبا على ما سلف، يجدر بنا في هذا المقام، أن نسجل عدم ارتياحنا لما يبديه البعض من تجاسر على مواضيع تعد بحق خارجة عن نطاق اختصاصاتهم، وإلا استوجب الخوض فيها، على الأقل، شيئا من التدقيق في المعطيات المراد تمريرها إلى الرأي العام، إذ كان كافيا لكاتب الرسالة المحترم، أن يراجع -وبدون أي عناء فكري أو قانوني أو اجتماعي- خطاب صاحب الجلالة لـ 20 غشت 2009، والذي يمكن اتخاذه نبراسا في خطط إصلاح القضاء، بعيدا عن لغة التخويف والتهويل. إذ بهذا، لم يكن لنا بُدٌّ في أن نوجه بدورنا رسالة إلى كافة مكونات المجتمع المغربي، وذلك وفق التالي:
أيها المجتمع التواق إلى قيم الديمقراطية من: مساواة، وعدل، وإنصاف، وعدم الإفلات من العقاب. لقد قطعنا على أنفسنا نحن أعضاء «نادي قضاة المغرب»، بأن نكون منك وإليك وفي خدمتك، ومن الساهرين على نهضتك، ومن المتبتلين في محراب صحوتك، فغايتنا أكثر من أن تنحصر في كرامتنا، بل كرامتك وعزتك، والتي هي من كرامة وعزة مؤسستك القضائية. ولكن بالمقابل، عليك أن تتحمل ضريبة تقدمك وازدهارك، وتكلفة تنميتك وعمرانك، وذلك بدفاعك عن حرمة قضائك والشرفاء من قضاتك.   

*عضو في جمعية نادي قضاة المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض