fbpx
افتتاحية

إرث

حسنا فعل ثلة من المفكرين والسياسيين حين أعلنوا، بصوت عال، موقفهم من قضية الإرث الشائكة، وحسم خيارهم بالدفاع عن المرأة بالدعوة إلى فتح باب الاجتهاد، تحديا لأوصياء يدعون امتلاكهم حقيقة الإسلام.
وامتلك كتاب وجامعيون وفنانون وباحثون في التراث الإسلامي وسياسيون وإعلاميون شجاعة، ألفناها في النخب المغربية، برفضهم استمرار ظلم المرأة، فأطلقوا نداء تاريخيا يطالب بإلغاء قاعدة الإرث المعروفة بالتعصيب، وهي “قاعدة مثبتة في مدونة الأسرة تفرض على الوارثات اللواتي ليس لهن أخ اقتسام ممتلكاتهن مع الأقرباء الذكور للأب المتوفى، ولو كانوا أبعدين (أعمام أو أبناء عمومة،…)،” كما جاء في النداء.
لا يمكن وصف نداء المفكرين إلا بمرحلة جديدة في مسار طويل وشاق لإنصاف المرأة، والقطع مع مراحل ظل فيها بعض”الفقهاء” (المجمدة عقولهم) يكافحون لاستمرار وضعيتها الحالية، فاصطفوا ضد أي اجتهاد يخرجها “من الظلمات إلى النور”، سواء تعلق الأمر بمنع التعدد أو ولوجها مهنة العدول أو رفع الضرر عنها في قضية الإرث.
تكمن قوة نداء الإرث في قيمة الداعمين، فمراجعة قوانين قضية الإرث تدخل في المعاملات لا العبادات، وهي حقيقة يتفادى خصوم المرأة النقاش حولها، ويحرصون على تعطيل بعض الأحكام الإسلامية، وتجدهم يشعلون نيران التكفير ضد كل من يعاكس تيارهم الرجعي، حتى أن أطروحتهم تكتفي بوصف الداعين إلى إنصاف المرأة بالعلمانيين والحداثيين (بعيدا عن التعريف العلمي لهذين المصطلحين)، وهدفهم اللعب على وتر تشبث المغاربة بإسلامهم.
نحن، الآن، أمام مسار جديد في قضية تتعلق باجتهاد مغربي يضمن المساواة في الإرث المتعلق بالتعصيب، بعيدا عن “كليشهات” أن المساواة تقود إلى الفتنة والتكفير والإرهاب والقلاقل، وأن الأسلم الالتزام بقاعدة “كم حاجة قضيناها بتركها”، احتراما لمشاعر المغاربة ومعتقداتهم، وهي قاعدة تعني، في قاموسهم، جمودا فكريا وتعطيل كل أبواب الاجتهاد الذي دعا إليه الإسلام نفسه.
الكرة الآن في مرمى السياسيين لتجسيد نداء المثقفين في القوانين والدفاع عن حق المرأة في المساواة في الإرث، والحكمة تفرض رؤية واضحة، لا الاختباء وراء التبريرات. ويكفي أن مؤسسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان دعت في 2015 إلى المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة في المغرب، تفعيلا لمضامين الفصل 19 من الدستور الذي ينص على تمتع المرأة والرجل بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، على قدم المساواة، وإلغاء الإرث بالتعصيب جزء من المساواة التي نص عليها الدستور.
إن نداء المثقفين لحظة تاريخية لمجتمع ونخبته قررا قطع شعرة معاوية مع التخلف وظلم المرأة، فهو طفرة نوعية في تعزيز إدماج المرأة في التنمية، دون تجاهل الصدى الإيجابي للمبادرة دوليا باعتبار المغرب قدوة للعالم العربي في إنصاف نسائه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى