fbpx
ملف عـــــــدالة

بنعمرو: النظام السياسي يحكم القضايا الجنائية الكبرى

النقيب السابق قال إن عدم تطبيق القانون يرجع إلى ضعف الكفاءة المهنية  أو عدم إيمان القضاة باستقلالهم عن السلطة التنفيذية

يرى النقيب عبد الرحمان بنعمرو أن عدم التطبيق السليم لروح القانون وراء عدم خروج حيثيات الأحكام عما تتضمنه محاضر الشرطة، ويؤكد النقيب في حوار مع الصباح أن سبب عدم تفعيل النصوص

القانونية عن طريق اجراء بحث أو تحقيق تكميلي في القضية، قبل النطق بالحكم، بالرغم من المبررات المعقولة والقانونية لإجراء مثل هذا البحث التكميلي،
يرجع، أحيانا، إلى عدم الشعور بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على القضاه من اجل الوصول إلى الحقيقة.

يلاحظ أن أغلب الأحكام الصادرة في العديد من القضايا، لا تخرج في حيثياتها عما تتضمنه محاضر الشرطة دون الأخذ بما جرى داخل جلسات المحاكمة بماذا تفسرون ذلك؟
قبل الجواب على كل سؤال على حدة وبإيجاز وتركيز، يحسن التعريف، من الناحية القانونية، بمفهوم المحضر الذي ينجزه ضابط الشرطة القضائية وقيمته الاثباتية، ومفهوم تقرير الخبير وقيمته الاثباتية:
ـ فعلى مستوى محاضر ضباط الشرطة القضائية:
ـ فإن مفهومه: «هو الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية أثناء ممارسة مهامه ويضمنها ما عاينه وما تلقاه من تصريحات أو ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصه (المادة 24 من المسطرة الجنائية).
ـ ويستنتج من هذا التعريف، أنه لكي يكون محضر الضابطة القضائية مقبولا في إثبات الجرائم التي يتضمنها، يجب أن يكون محرره مختصا وأن يتم التحرير في الشكل المنصوص عليه في القانون الفصل 289 من القانون نفسه.
ـ على أن حجية محاضر الضابطة القضائية ليست مطلقة فيما تشتمل عليه من معاينات ووقائع وتصريحات، إذ أن حجيتها نسبية وبالتالي يمكن الطعن فيها من قبل المحتج بها عليه حسب الحالات الآتية:
ـ فالمحاضر المتعلقة بإثبات الجنح والمخالفات: يمكن الطعن فيها بما يثبت خلاف ما جاء فيها، كليا أو جزئيا، وذلك بجميع الوسائل التي يتوفر عليها الطاعن بما في ذلك الشهود والقرائن والخبرات والمعاينات، وذلك بدون الحاجة إلى الطعن فيها عن طريق سلوك مسطرة الطعن بالزور (290 م. ج).
ـ أما محاضر الضابطة القضائية المتعلقة بإثبات الجنايات، فلا يمكن للمحكمة أن تعتمد عليها وحدها في إدانة المتهم، إذ يجب عليها، لكي تدينه اعتمادا عليها، أن تعزز ما جاء فيها بحجج أخرى مثل إقراره بما جاء فيها لدى النيابة العامة أو لدى قاضي التحقيق أو أمام المحكمة أو بقرائن قوية… (المادة 291 م. ج).
ـ وهناك نوع من المحاضر التي ينجزها موظفون خاصون يعطى المشرع لمحاضرهم قوة إثبات كبيرة بحيث لا يمكن إثبات ما يخالفها إلا عن طريق الطعن فيها بمسطرة الزور (292 م. ج). ومن بين أنواع هذه المحاضر: المحاضر المحررة من طرف عونين أو أكثر تابعين لإدارة الجمارك بالنسبة لما يعاينونه من مخالفات لمدونة الجمارك..
ـ وبهذه المناسبة تجب الملاحظات جميع الاعترافات التي تنتزع تحت العنف بالعنف أو الإكراه لا يعتد بها ويتعرض مرتكب العنف أو الإكراه للعقوبات المنصوص عليها في القانون الجنائي (المادة 293 م. ج) وسواء ارتكب التعذيب أو الإكراه في مرحلة البحث التمهيدي أو التحقيق أو النيابة العامة أو في مرحلة المحاكمة..
ـ كما تجب الملاحظة، أنه حتى في الحالة التي تكون وسائل الإثبات سليمة، بل وحتى في حالة اعتراف المتهم أمامه بالتهمة أو التهم المنسوبة إليه، فإنه يجوز له تبرئة المتهم إذا تيقن، حسب الظروف والشروط المحيطة بالقضية، بأنه لم يرتكب الجريمة أو الجرائم المنسوبة إليه، وأن اعترافه، مثلا، مجرد مناورة تهدف إلى التغطية على المرتكب الحقيقي للجريمة..، ولذلك نصت المادة 286 م. ج «يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم، ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي..».
ـ بعد ذلك نتولى، باختصار، الجواب عن السؤال الأول، أغلب الأحكام الصادرة في العديد من القضايا، تعتمد على محاضر الشرطة، دون الأخذ بما يصرح به المتهم في الجلسة من نفي ما جاء فيها، اعتمادا على قرائن معينة صائبة قدمها، أو بإثبات لما يخالفها عن طريق مطالبته بالاستماع إلى شهود النفي، أو بإجراء معاينات، أو بكون اعترافاته التي جاءت فيها أخذت منه عن طريق العنف أو الإكراه، أو كونها ملفقة، ومطالبته بإجراء خبرة طبية عليه أو الأمر بإجراء تحقيق مضاد، أو أن  المحاضر تعتبر باطلة من حيث الشكل وبالتالي لا حجية لها، ومع ذلك لا تستجيب المحكمة لطلبات المتهم ودفوعاته الرامية إلى بطلان المحاضر المعنية… إن كل ذلك لا يرجع سببه إلى القانون وإنما إلى عدم تطبيق هذا الأخير تطبيقا صحيحا من طرف المحكمة، الأمر الذي يعاكس ما رمى إليه المشرع من خلق توازن بين وسائل الإثبات التي تتوفر عليها النيابة العامة، وعدم تطبيق القانون تطبيقا صحيحا، قد يرجع، أحيانا، إلى ضعف الكفاءة، وأحيانا أخرى إلى عدم إيمان بعض القضاة إيمانا حقيقيا باستقلالهم عن السلطة التنفيذية، واستعداداتهم للدفاع عن هذا الاستقلال الذي يعترف لهم به الدستور وتعاقب القوانين الجنائية كل من يمس به.
رغم أن الضابطة القضائية ليست تابعة للسلطة التنفيذية وإن كان الذي يشرف عليها ويوجهها هو وزير العدل المنتمي إلى السلطة التنفيذية.

لماذا لا تأخذ المحكمة بملتمس بطلان محاضر الضابطة القضائية رغم وجود خروقات قانونية؟
المحكمة لا تبطل محاضر الضابطة القضائية رغم توفر شروط البطلان لسببين:
إما بسبب ضعف الكفاءة المهنية، وإنما لاعتقاد القضاة، وخاصة في القضايا ذات الطابع السياسي، بكون الضابطة القضائية المنجزة لها، وخاصة إذا كانت المحاضر منجزة من قبل ما يسمى بـ «الفرقة الوطنية للشرطة القضائية» إنما هي قضايا تحظى باهتمام كبير من طرف النظام السياسي المغربي، وان ما جاء في هذه المحاضر إنما كان بتوجيهات من هذا النظام، وأن عدم الأخذ بما جاء في هذه المحاضر والسماح للمتهمين أو دفاعهم بإثبات ما يخالفه سيرهن مستقبلهم المهني نحو المجهول… وهي أسباب أو فرضيات لا يمكن قبولها من قضاة إئتمنهم المشروع على حماية الحقوق والحريات في جميع الأحوال والظروف والشروط.

في قضايا معينة تظهر منذ البداية إلى أين تتجه قناعة المحكمة، ما يفيد أن لا غاية من المحاكمة سوى تأكيد ما تضمنته محاضر الشرطة أو قرار الإحالة؟
نعم في قضايا معينة، وخاصة في القضايا ذات الطابع السياسي، وأمام رفض المحكمة لكل أو أغلب الطلبات الأولية وكل أو أغلب الدفوعات الشكلية، قد يرى الدفاع أنه أمام اتخاذ موقفين:
الموقف الأول: الاستمرار في متابعة محاكمة مسرحية مصيرها معروف مسبقا، فيكون مزكيا لهذه المسرحية غير المشروعة…
الموقف الثاني: الانسحاب من هذه المسرحية السيئة الإخراج، حتى لا يزكي عدم المشروعية. والواقع أن الدفاع دأب على اتخاذ أحد الموقفين حسب الظروف، فأحيانا يقرر الاستمرار في مؤازرة  مندوبيه مستهدفا المزيد من فضح الخروقات التي ترتكبها المحكمة سواء على مستوى الشكل أو على مستوى الموضوع.
وأحيانا يقرر الانسحاب، مع إصدار بيان في الموضوع يفضح، فيه دواعي الانسحاب التي هي الخروقات الخطيرة التي شابت المحاكمة في جميع مراحل التقاضي، مستهدفا من ذلك لفت نظر الرأي العام، الداخلي والخارجي، إلى الوضعية المأساوية التي وصلت إليها العدالة بالمغرب ضدا على القانون وعلى المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وخاصة ما يخص منها شروط المحاكمة العادلة.

لماذا لا يتم تفعيل النصوص القانونية التي تؤكد على ضرورة إجراء بحث تكميلي أو تحقيق في القضية قبل النطق بالحكم؟
إن سبب عدم تفعيل النصوص القانونية عن طريق اجراء بحث أو تحقيق تكميلي في القضية، قبل النطق بالحكم، بالرغم من المبررات المعقولة والقانونية لإجراء مثل هذا البحث التكميلي، يرجع، أحيانا، إلى عدم الشعور بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على القضاه من اجل الوصول الى الحقيقة، بما يتطلبه هذا الوصول من جهد وصبر ووقت. وأحيانا، وخاصة في القضايا السياسية، إلى الخوف من أن يؤدي التحقيق التكميلي إلى نتائج مخالفة لماجاء في محاضر «الفرقة الوطنية للشرطة القضائية».
أما أسباب الخوف فترجع إلى عدم استقلال القضاء المغربي استقلالا حقيقيا عن السلطة التنفيذية وعدم استعداده للدفاع عن هذا الاستقلال بكل كفاءة وجزاة وشجاعة ومواجهة وفضح.

بعد تجربتكم الطويلة في الميدان من يحكم في نظركم؟
حسب تجربتي المتواضعة فإن من يحكم في القضايا الجنائية المعروضة على القضاء، ومع استثناءات تشرف بعض القضاة المغاربة، هو النظام السياسي المغربي، في القضايا السياسية، خاصة منها ما يتعلق بالقضايا المعروفة بقضايا الإرهاب.
أما بالنسبة لباقي القضايا، فقد يتحكم فيها ضعف الكفاءة أو تدخلات غير مشروعة من طرف ذوي النفوذ والسلطة أو المال والمنافع.

أجرت الحوار: كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق