fbpx
ملف عـــــــدالة

الحقيقة والموضوعية في محاضر الضابطة القضائية

شكري: بعض المحاضر تفقد المواطن ثقته في المؤسسة القضائية

يرى الدكتور عبد الجبار شكري، أستاذ باحث في علم الاجتماع وعلم النفس، أنه في ظل عدم استقلالية القضاء تعطي الفرصة للسلوكات الشاذة النفسية والاجتماعية أن تمارس في هيأة قضائية وقانونية،

ويكون تحرير المحاضر القضائية غير موضوعي ولا نزيه ولا عادل، لأنه يخضع بالضرورة إلى تدخل أطراف أخرى كما يدل على ذلك الواقع المغربي.

ما هو واقع المحاضر القضائية في المغرب؟ هل هناك نزاهة وموضوعية في تحريرها؟
الجواب واضح في إطار دولة ليس فيها فصل السلط (الفصل بين السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية)، يؤدي إلى أن تصبح الهيأة القضائية لا تملك استقلالا قويا ولا تكون قراراتها موضوعية ومستقلة في الحكم والتنفيذ، وخاضعة لمنطق القانون، ففي الغالب تخضع الهيأة القضائية في ظل عدم فصل السلط لأهواء وتوجيه الحاكمين بالبلاد وللسلطة التنفيذية ولوزارة الداخلية ولأهواء ومصالح الهيأة القضائية نفسها المتمثلة في السعي إلى الاغتناء. ولست في حاجة إلى أن أرجع إلى «مونتسكيو» الذي قال إنه في كل دولة توجد ثلاثة أنواع من السلط مفصول في ما بينها: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والقضائية، الشيء الذي يضمن الحرية السياسية للمواطن (وهي طمأنينة النفس التي تنتج عن التصور الذي يكونه كل فرد عن أمنه الخاص)، وهذا لا يتأتى إلا بفصل السلط عن بعضها.
عندما تجتمع السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في يد هيأة واحدة فإنه لا يكون هناك مكان للحرية، وسنكون أمام قرارات وسلوكات استبدادية كما يقول «مونتسكيو»، ولن تكون هناك حرية ولا عدل، وإذا كانت السلطة القضائية غير منفصلة عن السلط الأخرى ومستقلة بذاتها ويصبح الحكم الممارس على المواطنين اعتباطيا وغير عادل وكل شيء سيتعرض للضياع.
إذن عدم استقلالية القضاء في دولتنا ستعطي الفرصة للسلوكات الشاذة النفسية والاجتماعية أن تمارس في هيأة قضائية وقانونية، وسيكون تحرير المحاضر القضائية غير موضوعي ولا نزيه ولا عادل، لأنه يخضع بالضرورة لتدخل أطراف أخرى، كما يدل على ذلك الواقع المغربي.

كشفت بعض الوقائع أن الضابطة القضائية تزور بعض محاضر قضائية وتفرض على المتهمين توقيعها، فماهي في نظركم الأسباب التي تؤدي بها إلى ممارسة هذا السلوك؟
إن هذا السلوك الممارس من طرفة مؤسسة قانونية ممثلة في شخص الضابطة القضائية، سلوك شاذ وفاسد يدل على فساد الشخص القائم عليه وفساد المؤسسة القانونية التي تحميه. وفي هذه الحالة هناك مجموعة من الأسباب النفسية والاجتماعية والمؤسسية التي أدت إلى هذا النوع من السلوكات اللاقانونية والمخالفة تماما لمعايير دولة الحق والقانون.

وما هي الأسباب النفسية المؤدية إلى سلوك الضابطة القضائية؟
إن هذا السلوك اللاقانوني هو أصلا فساد سلوكي فردي يجسد انحرافا أخلاقيا في الذات، من خلال حركية الأنا في علاقته بنفسه أو في علاقته بالآخر، تتجلى الانحرافات السيكولوجية لأنا شخصية الضابطة القضائية منذ نشأته، في ما يلي:
أولا: الغش كسلوك مرضي بكل أشكاله وفي كل مجالاته وبمختلف آلياته التمويهية والمراوغة والاحتيالية القائمة أصلا في أنا يمارس ذاته بشكل مرضي وشاذ في الأسرة أو المدرسة أو المهنة أو التجارة إلى آخره.
ثانيا: إدمان «أنا» هذا النوع على الغش وعلى السلوكات المنحرفة واللاقانونية، إذ نجد أن الأنا لا يرتاح ولا يحقق لذته إلا بالإقدام على انجاز سلوكات منحرفة ولاقانونية، إنها لذة سادية مدمرة لكل ما هو قانوني ومؤسسي.
ثالثا: إن هذه السلوكات هي في الواقع سلوكات نفسية جنائية تغيب فيها أي صفة من صفات المواطنة الحقة، وهذا السلوك النفسي الجنائي، يكون وراءه خلل في بعض أنساق الجهاز النفسي، إذ نجد أن الأنا الأعلى في الجهاز النفسي لدى هذا النوع من الضابطة القضائية يكون ضعيفا في مضامينه القيمية النموذجية الأخلاقية، كما أن سلطته النفسية الآمرة والناهية والمانعة والكابحة تكون ضعيفة، ولا تمارس تأثيرها في كبح الأنا ومراقبته في علاقته باللاشعور، فغالبا ما نجد أن اللاشعور في هذه الحالة مندفعا وجامحا برغباته الليبيدية والعدوانية لا يخضع لمبدأ الواقع، وإنما الذي يحركه هو مبدأ اللذة، فيورط الأنا في الميل بشكل قوي نحو مبدأ اللذة أكثر من الميل نحو مبدأ الواقع، نتيجة عدم خوف الأنا من سلطة الأنا الأعلى الضعيفة، ومن عقابه المتجلي في تأنيب الضمير، ولا يعيره أي قيمة لسلطته المأزومة في الكبح  والقمع والمنع.
رابعا: نجد هشاشة نفسية في الجهاز النفسي عند هذا النوع من الضابطة القضائية المكلفة بالتحقيق القضائي، وهذه الهشاشة هي نتيجة الاضطراب القوي في العلاقة الوظيفية النفعية بين الأنساق الثلاثة للجهاز النفسي (الهو والشعور والأنا الأعلى) وفي علاقتهم الوظيفية أيضا بالواقع، وأصحاب هذه الهشاشة النفسية يسقطون بسهولة ضحية الإيحاءات والإغراءات والتخويف والترهيب الممارس من قبل أطراف أخرى خفية، والذين يريدون أن يحولوا مجرى المحاكمة لصالحهم في تحقيق أهداف معينة، فينقادون إليهم بسرعة وبدون مقاومة.        

وماذا عن الأسباب المؤسسية التي أشرتم إليها؟
أود أن أشير في البداية إلى أن المسؤولين في المغرب، غير ما مرة، يصرحون أن المغرب دولة الحق والقانون في الممارسات والعلاقات وفي ضمان الحقوق وفرض الواجبات، لكن في الواقع المعيش على مستوى تطبيق  ممارسات دولة الحق والقانون، يصبح هذا التصريح في حكم الغائب على مستوى الوعي بالمواطنة، أو على مستوى الالتزام الأخلاقي، فدولة الحق والقانون وهم حول حقيقة مستعارة من الآخرين، وتختلط هذه الحقيقة بالوهم ويجرها معه في قلب الممارسة اليومية الشرس.
لقد تحدثت «Jacqueline Russ» عن مواصفات دولة الحق والقانون، فتقول في هذا الصدد  إن دولة الحق لا تتمثل في صورة قانونية مجردة، وإنما هي جهاز يتجسد بقوة في مجتمعات القرن العشرين في ممارساته وتصرفاته وعلاقاته، إن الصورة القانونية الممثلة لدولة الحق تحتجب عن الأنظار في ظل متاهات الإيديولوجيات والمصالح الشخصية وصراعاتها، وتختفي في ما وراء الوعي، لكننا  يمكن أن نراها، كما تقول جاكلين روس، من خلال حضورها في الممارسة اليومية الإنسانية. ولقد أجابت جاكلين روس عن سؤالها ماهي دولة الحق والقانون ب»إن دولة الحق والقانون هي تلك الدولة التي فيها «حق» وفيها «قانون» يخضعان معا لمنطق مبدأ احترام الشخص، ويعني ذلك أنه في قلب الممارسة الشرسة وفي لحظة جموح أهواء الذات، يتم استحضار الواجب الأخلاقي في احترام مبدأ الكرامة الإنسانية ومبدأ الحريات الخاصة والعامة، إن دولة الحق تمارس السلطة بعقلنة إجرائية في إطار التشبث بالقوانين المتواضع عليها بالاتفاق والديمقراطية.
ومن هنا فهي لا تشكل دولة الحق وجودا مغلقا في ممارساتها، وإنما هي إبداع دائم للقوانين التي تجسد الكينونة الإنسانية في أشكالها المختلفة ومجالاتها المتعددة، المتمثلة في احترام حرية وكرامة الإنسانية للفرد من خلال إبداع دائم لآليات تقوم على قواعد مستحدثة سليمة وشفافة يشارك في وضعها الجميع، تساير التغير والتطور الاجتماعيين المحليين والعالميين، تتوجه نحو الفرد الإنسان كقيمة واقعية تعيش على أرض الواقع، بحيث لا يمكن استعباده من طرف الدولة أو من طرف، أي كان فردا أو مؤسسة، والتعامل معه كسلعة أو تسخيره كأداة، وإنما يجب التعامل معه كقيمة إنسانية عليا، لا تتساوى معها أي قيمة أخرى. ولا يكون هدف دولة الحق والقانون ممارسة السيادة على الشعب بواسطة القوة والعنف والإرهاب والتخويف، وإنما تقوم على أساس احترام القانون الوضعي الذي يستمد شرعيته من مبدأ أخلاقي واحترام الحقوق والواجبات، وحماية كل ذلك من طرف السلطة القضائية التي يجب أن تكون منفصلة عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، تقول جاكلين روس في هذا الإطار:
« … إن سلطة دولة الحق تتخذ ملامح ثلاثة: القانون والحق وفصل السلط الثلاث وتضمن جميعها احترام الشخص وتؤسسه، وإن دولة الحق بفضل هذه القوى الثلاث تتوفر على التنظيمات التي تضمن العمليات التي يرى بفضلها كل الأفراد أنهم محترمون ومحميون، وإن ما يترتب عن هذا التحليل هو أن سلطة دولة الحق التي تعمل بواسطة القانون والحق وتقوم على فصل السلط يمثل فيها فصل السلط الميكانيزم العملي للاحتماء الفعال».
بعد التوضيح الذي هو ضروري لفهم طبيعة المؤسسة القضائية في بلدنا، ولفهم أيضا طبيعة عمل القائمين على هذه السلطة، ففي إطار ما يسمى دولة الحق والقانون عندنا نجد أن المؤسسة القائمة على حماية القانون هي أول من تخترقه، فمن المفروض في الضابطة القضائية أن تتعامل مع المتهم باعتباره بريئا حتى تثبت إدانته، وأن تتعامل بكامل الموضوعية والحياد، وأن تحترم القوانين المنصوص عليها في ممارسة التحقيق مع المتهم، نجد على العكس من ذلك أنها تصوغ محضرا قضائيا مزورا يبلور أهداف أطراف خفية أخرى وتفرض على المتهم أو يوقع عليه تحت الضغط عليه بمختلف الأساليب، مما يضطر المتهم إلى التوقيع نتيجة ضعفه أمام الإكراهات. وهذا السلوك اللاقانوني لا يبدو غريبا أو شاذا في مؤِسسة هي أصلا مسؤولة عن تطبيق القانون لكنها لا تحترمه.    

ماهي نتائج هذه السلوكات ؟
هناك مجموعة من النتائج السلبية، مثل عرقلة تأسيس دولة الحق والقانون في المجتمع المغربي، وانعدام ثقة المواطن في المؤسسة القضائية التي من المفروض أن تحميه من الظلم والاعتداء والشطط في استعمال السلطة.

أجرى الحوار: خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق