fbpx
حوادث

الغرفة الجنائية بمحكمة النقض وتخليق الحياة العامة

منح رخص استغلال سيارات الأجرة بأمر مولوي لا يعتبر من المال العام

(الحلقة الرابعة)

بقلم: الدكتور حسن فتوخ*

هذه القرائن المتضافرة في ما بينها، والمستمدة من وقائع ثابتة بيقين دون أن يوجد بالملف، ما يثبت عكسها، كونت لدى قضاة الموضوع اقتناعا تاما بأن الطاعن ارتكب الفعل الذي أدانته المحكمة من أجله، وبذلك يكون القرار المطعون فيه بتبنيه علل وأسباب الحكم الابتدائي المؤيد قد جاء معللا تعليلا كافيا ومؤسسا ولا يشوبه أي خرق للقانون.
3 – مفهوم المال العام في جريمة المشاركة في جناية اختلاس أموال عمومية
في طعن بالنقض للنيابة العامة ركز فيه على أن رخص الاستغلال تخضع لمساطر خاصة تقوم بها وزارة النقل بصفتها مرفقا عاما ومرتبطة بالسلطة العمومية، وأن الاستحواذ عليها من طرف المتهمين وتغيير الغرض الذي من أجله خصصت له بمساعدة أشخاص آخرين شاركوهم في ذلك مع علمهم بذلك، يكون فعلهم الجرمي قد استغرق الجريمة موضوع المتابعة.
غير أن محكمة النقض ردت على ذلك، معتبرة أن السمة المميزة لخصائص المال العام هي تخصيصه للمنفعة العامة، وأنه لكي تتحقق له تلك الصفة، لابد أن يكون مملوكا للدولة أو لغيرها من الشخصيات الاعتبارية العامة محلية كانت أو مرفقية، وأن يتم تخصيصه لاستعمال الجمهور المباشر أو لخدمة مرفق من مرافق الدولة العامة. وأنه لما كان الأمر كذلك، فإن المحكمة المطعون في قرارها التي أيدت الحكم المستأنف وتبنت علله وأسبابه طالما أنها قضت ببراءة المطلوبين في النقض من المشاركة في جناية اختلاس أموال عمومية، اعتمادا منها على عدم وجود فاعل أصلي، وعلى أن منح رخص استغلال سيارات الأجرة بأمر مولوي لا تعتبر من المال العام، الذي هو مجموع النفقات اللازمة لتسيير المرفق العام للدولة والاعتمادات المخصصة لها والذي تحدده الحكومة في مشروع قانوني سنوي للمالية يصوت عليه البرلمان ويدخل حيز التنفيذ في بداية كل سنة، وأن رخص النقل إنما تمنح في شكل امتياز لمن شمله العطف المولوي دون تمييز لسنه أو جنسه أو وضعه الاجتماعي، بعد إجراء بحث من قبل الجهات المختصة، تكون قد بنت قرارها على أساس سليم من الواقع والقانون.
4 – عدم جواز الطعن في محضر الوضع تحت الحراسة النظرية إلا عن طريق الزور
في إطار تمسك المحكوم عليه بالدفع ببطلان محضر الضابطة القضائية لخرقه مقتضيات مدة الحراسة النظرية، اعتبرت محكمة النقض ،من جهة أولى أنه لما كانت محاضر الاعتقال والإيقاف والحجز والتفتيش والوضع تحت الحراسة النظرية التي ينجزها ضباط الشرطة القضائية تكتسي طابع الرسمية، لا يمكن الطعن فيها إلا بالزور ولا يمكن الاستدلال بشهادة الشهود لإثبات ما يخالفها على خلاف محضر تلقي تصريحات المتهم، فإنه عندما لم تستجب المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لطلب الطاعن الرامي إلى استدعاء الشهود لإثبات تجاوز مدة الحراسة النظرية معللة ذلك بالقول ” … وحيث إن محاضر الإيقاف والانتقال والمعاينة والوضع تحت الحراسة النظرية المنجزة من طرف الضابطة القضائية عملا بمقتضيات المواد 18 و22 و24 و66 و67 من (ق م ج) تتسم في جانبها الشكلي والإجرائي بطابع الرسمية ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور وذلك بخلاف مضمن وفحوى محاضر الشرطة القضائية المنجزة من أجل التثبت من الجنح طبقا للمادة 290 من (ق م ج) والتي يمكن إثبات عكسها بأية وسيلة من وسائل الإثبات بما في ذلك شهادة الشهود…” تكون قد طبقت القانون تطبيقا سليما.
5 – انطباق صفة الموظف العمومي على المنتخبين أثناء قيامهم بعملهم
في شأن طعن بالنقض من طرف المحكوم عليه (عضو جماعي بالمجلس نفسه) تمسك بمقتضاه بانتفاء صفة الموظف العمومي، وكذا ظرف تأدية الخدمة العمومية، فالنزاع إنما حصل بين مجموعة من أعضاء الجماعة المنتسبين لأحزاب مختلفة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تعارض في المصالح، وخلاف حول طرق التسيير، وبالتالي فالمشتكي المطلوب في النقض مهنته فلاح،ولم يكن يزاول مهام التفويض.
غير أن محكمة النقض أجابت عما أثير من طرف المحكوم عليه بأن الحكم الابتدائي المؤيد أدان الطاعن بالأفعال المنسوبة إليه في إطار الفصل 224 من القانون الجنائي، بناء على ما ثبت للمحكمة من أن المشتكي حينما كان يمارس مهام عمله بصفته نائبا لرئيس المجلس الجماعي تعرض للعنف من قبل الطاعن حسب شهادة الشهود المستمع إليهم بصفة قانونية، وبالتالي تنطبق عليه صفة الموظف العمومي طبقا لمقتضيات الفصل 224 أعلاه، طالما أن العاملين في الجماعات المحلية وإن كانت المهام الموكولة إليهم هي في حدود معينة باعتبارهم منتخبين كأعضاء في المجالس الجماعية لفترة محددة ومعينة فإنهم يساهمون بذلك في خدمة الدولة وفي الهيآت ذات النفع العام، فجاء القرار المطعون فيه بتبنيه علل وأسباب الحكم الابتدائي سليما معللا تعليلا كافيا ولا يشوبه أي خرق للقانون مما يجعله مؤسسا.
6 – المصلحة الخاصة في الاستيلاء على المال العام لا تعتبر شرطا لقيام جريمة الغدر
سبق لرئيس مجلس بلدي أن أعفى بعض المواطنين المعوزين من الرسوم لتمكينهم من الحصول على رخصة البناء، فتمت إدانته من أجل جنحة الغدر المنصوص عليها في الفصل 244 من القانون الجنائي، وبعد الطعن بالاستئناف قضت الغرفة الجنحية الاستئنافية بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم من جديد ببراءته وعدم الاختصاص في المطالب المدنية، بعلة انتفاء المصلحة الخاصة للمتهم في الاستيلاء على المبالغ المالية المخصصة للمصلحة العامة.
وبعد طعن النيابة العامة بالنقض في القرار أعلاه، قضت محكمة النقض بنقضه معتبرة من جهة أولى، أن القرار بعدما أورد اعتراف المتهم في محضر البحث التمهيدي بأنه بصفته رئيسا للمجلس البلدي ب (….)، أعفى بعض المواطنين ذوي الاحتياجات من أداء بعض الرسوم عن رخص البناء، نص على خلو الملف من أي دليل على هذا الإعفاء دون أن يناقش هذا الاعتراف.ومن جهة ثانية فإن ما استنتجته المحكمة من انعدام سوء نية المتهم من خلال تصريحاته التمهيدية بناء على تسوية الوضعية المادية لرخص البناء، لا يؤدي عقلا ومنطقا لذلك. ومن جهة ثالثة فإن قيام جنحة الغدر المنصوص عليها في الفصل 244 من مجموعة القانون الجنائي المتابع بها المتهم لا يوجب حتما أن تكون لمرتكبها مصلحة خاصة تتمثل في استيلائه على المال المخصص للمصلحة العامة “.
* رئيس مكتب الودادية الحسنية
للقضاة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى