fbpx
حوادث

قضاء القرب… أي جديد؟

تقريب القضاء لا يعني بالضرورة التقريب المادي للمحاكم من محلات إقامة المتقاضين

تقدمت وزارة العدل بمشروع قانون ينظم بمقتضاه ما أسمته قضاء القرب، وأحيل هذا المشروع على غرفتي البرلمان قصد المصادقة عليه، وقد جاء في مذكرة التقديـــــم :

“يندرج هذا المشروع ضمن ما استلزمه الإصلاح القضائي من إعادة النظــــر في  التنظيم القضائي وفي مكوناته من محاكم وحكام، من هاجـس تقريـــــب القضاء من المتقاضين، بمفهومه الحقيقي، وبعده الحقوقي، الذي يــــــروم إحداث إطار قضائي مؤهل لمعالجة المنازعات والمخالفات البسيطة، بمـا  يستوجب من سهولة الالتجاء إليه مع تيسير سبل التبليــغ والتنفيـــــــــــــذ “.
فهل يا ترى ديباجة المقدمة هذه تفي بالغرض من خلق مؤسسة قضائية أو إطار قضائي جديدين لتقريب القضاء من المتقاضين، أو هو مجرد تكرار تحت تسمية  جديدة لمحاكـــــــم الجماعات والمقاطعات الذي أحدث بمقتضى ظهير 15 يوليوز 1974، وكان موضع انتقاد منذ إحداثه، ومع ذلك عمر لمدة تقرب من أربعة عقود، إلى أن استقر الرأي أخيرا على إلغائه في انتظار المصادقة على الإطار الجديد، وهو  قضاء القرب وإحلاله مكانه.
فالتساؤل الذي يطرح نفسه هو هل من الضروري إنشاء نظام قضائي جديد أو أن التنظيم القضائي القائم، خصوصا المحاكم الابتدائية، يمكنها أن تقوم بالمهام نفسها التي أسندت إلى قضاء القرب موضوع المشروع.  
فبإلقاء نظرة سريعة على مضمون مشروع القانون المنظم لقضاء القرب نجد أنه لم يأت بأي جديد ولم يضف أي منفعة جديدة، فهو نسخة طبق الأصل من نظام محاكم الجماعات والمقاطعات، مع استثناءات بسيطـة وهي، بالخصوص، إسناد البت في القضايا إلى قضاة من المحاكم الابتدائية  مع إمكانية الاستعانة بقضاة متقاعدين، ورفع الاختصاص في المادة المدنية من ألف درهم إلى 3000 درهم مع إمكانية رفعها إلى خمسة آلاف درهـم باتفــاق الأطراف، كما أنه أضاف إليه في الميدان الجنحي البت في بعض المخالفات، على ألا يتجاوز مبلغها 1200 درهما.
هذا بكل اختصار ما أدخله مشروع القانون الجديد لقضاء القرب على قانون محاكم الجماعات والمقاطعات، فهل كانت هناك ضرورة  ملحـة تقتضي خلق قضـاء جديد، أو الاكتفـاء بتعديل بعض فصول قانون الجماعات والمقاطعات بخصوص الجهة الموكول لها البت ورفع الاختصاص على النحو المذكـــــور؟
إذا كانت الغاية من التغييرات الذي أحدثت على التنظيم القضائي المحدث مع قانون 15 يوليوز 1974 حسب مقدمة المشروع، هي التخفيف من كثرة القضايا البسيطة المعروضة على المحاكم، وتقريب القضـاء مـن المتقاضين، وتبسيط الإجراءات المسطرية، فهل بعد تطبيق قانون إحداث قضاء الجماعات والمقاطعات تحققت هذه الغايات، أم أن الأمر استمر على ماهو عليه، بل ازداد نموا واتساعا مع نمو عدد السكان وإحداث مناطق إدارية جديدة.
فاعتبارا لحجم القضايا التي بت فيها قضاء الجماعات والمقاطعات فعلا، والتي لم تشكل إلا نسبة ضئيلة بالنظر إلى عدد القضايا التي سجلت أمام  المحاكم الابتدائيـة، ونظـــــرا للانتقادات الكثيرة التي وجهت لهذا القضاء منذ نشأتـه وأدت إلى التفكير في إلغائه، وهذا ما حدث فعلا، فهل هناك مصلحة ملحة تقتضى خلق القضاء نفسه بتسميـة جديدة ؟ أو أنه يكتفي بإضافة الاختصاص المقترح لقضاء القرب للمحاكم الابتدائية على اعتبار أنها صاحبة  الولاية العامة للبت في مجموع القضايا التي لم يستثنها نص خاص أعطى اختصاص البت فيها إلى جهة قضائية معينة.
انطلاقا  مما نعيشه في الواقع، وبتفحص لنوعية القضايا التي أصبحت تعرض على المحاكم الابتدائية، خصوصا، بعد إحداث المحاكم الإدارية، والمحاكم التجارية ثم قضاء الأسرة، فان معظم القضايا، إذا استثنيا القضايا الاجتماعيـة والعقارية وقضايا الأسرة، أي كل القضايا التي تستلزم المسطرة الكتابية، تكون معظمها قضايا بسيطة، وهي بالضبط القضايا التي اصطلح على تسميتها قضايا المدني المتنوع .
فبإلقاء نظرة على نوعية هذه  القضايا نجد أنهـا قضايا بسيطة تهم على، وجــــــــه الخصوص، قضايا الكراء، والديون البسيطة، والديون التجارية التي يقل مبلغها عن المبالـــــغ الموكول فيها الاختصاص للمحاكم التجارية.
فإذا كانت غاية المشرع من إحداث قضاء جديد التخفيف عن المحاكم الابتدائيـــة من القضايا البسيطة، فهذا شيء لم يتحقق في الواقع مع إحداث قضاء الجماعات والمقاطعات.
أما إذا كانت الغاية الثانية من إنشائه هي تقريب القضاء من المتقاضين، وهي الغايــــة المقصودة أساسا من إحداث هذا النوع من القضاء تبعا للتسمية المقترحة، فان تقريب القضاء من المتقاضين، وهو مطلب وطني، ينبغي  ألا يقتصر على القضايا التي سيعطى فيها الاختصاص إلى قضاء القرب المرتقب، ولكن في جميـع القضايا، وخصوصا، القضايا التي تعنى ذوي الدخـول المتواضعة والتي لا تلتجئ أحيانا للقضاء لأنها غالبا ما تتنازل عن حق المطالبة القضائية نظـــرا لارتفاع تكاليفها. وتشكل القضايا التي ترفعها للمحاكم مجمل القضايا المدنية التي تبت فيهـــا المحاكم الابتدائية في إطار قضايا المدني المتنوع، كما أسلفنا، فتقريب القضاء من المتقاضيــــن يقتضي الاهتمام أساسا بمجموع هذه القضايا التي تخص هذه الفئة العريضة من المجتمع، وذلك بأن تكون المحاكم قريبة من إقامتهم، مع الإسراع للبت فيها، وتخفيض تكاليف المطالبـــــة القضائية، خصوصا  الرسوم القضائية، مع إمكانية تقديمها مباشرة دون مؤازرة .
إن غاية تقريب القضاء من المتقاضين ستتحقق بإعطاء الاختصاص في هذا النوع مــــن القضايا، دون أي اعتبـار لمبلغها أو قيمتها، لغرفة بالمحكمة الابتدائية، وإلى القاضي المقيم في المراكز التي لا توجد بها محاكم ابتدائية، مع رفع الاختصاص القيمي للبت نهائيا إلى حدود عشرة آلاف درهم للتخفيف أيضا من القضايا على محاكم الاستئناف،  وبذلك يكـون الهدف من إحداث قضاء القرب قد تحقـق دون أن يكلف الجهاز القضائي إحداث قضاء  جديد محل قضاء الجماعات والمقاطعات الملغى، على أن تكون المسطرة في هذه القضايا أساسا شفوية وتستفيد من الإعفاء من الرسوم القضائية إلى حدود المبلغ المقترح في مشروع قضاء القرب وهو خمسة آلاف درهم، مع تخفيضها في باقي القضايـــا التي سيوكل لها اختصاص البت فيه لها.
فإحداث غرفة لدى المحكمة الابتدائية ومدها بكل الإمكانيات اللازمة من قضاة وكتابة ضبط للاهتمام وتحديد سقف زمني قصير للبت في هذا النوع من القضايا، وإعطاء التنفيذ فيها لأعوان المحكمة مع إمكانية الاستعانة بالسلطات الإدارية كما كان الشأن في قضاء الجماعات والمقاطعات كفيل للقيام بالدور المقترح لقضاء القرب بشكل فعال وفيه تجديد.
إن تقريب القضاء من المتقاضين لا يعني بالضرورة التقريب المادي للمحاكم محلات إقامتهم، وإنما يعني أساسا البت في نزاعاتهم بأحكام توصلهم إلى حقهم في وقت وجيز دون كبير عناء، ماديا كان أو معنويا، ودون  الاضطرار إلى البحث عن وسائل غير مشروعة للوصول إلى هذا الحق. هذه ملاحظات واقتراحات أساهم بها في الحوار الدائر حول قضاء القرب الذي بادرت وزارة العدل الى تقديم مشروع قانونه في غياب أي حوار أو نقاش مع الجهات المعنية من قضاة ومساعدي القضاء وغيرهــم.

عبد الرحيم بن بركـــة: نقيب سابق لهيأة المحامين بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق