fbpx
ملف عـــــــدالة

أزوكار: هذه رؤيتي لو كنت وزيرا للعدل والحريات

المكون الأساسي لمشكل العدالة خارج تأطير وزارة العدل وبين يدي المجلس الأعلى للسلطة القضائية

افترضت أنني عينت وزيرا للعدل والحريات في حكومة بنكيران، وجاءني صحافي من جريدة الصباح الغراء، مستجوبة لي حول مجموعة
من النقاط المتعلقة ببرنامج وزارتي في ظل الاستحقاقات الجديدة والأوراش المفتوحة. ودار الحوار بالشكل التالي:

سيدي الوزير، هل ستمارسون صلاحيتكم من أجل إعادة النظر في أسلوب وملابسات صدور مجموعة من الأحكام والتي تعتبرونها بأنها كانت عنوان محاكمات غير عادلة، إما لعدم توفر ضمانات البحث والتحقيق أو لعدم تحقق استقلالية الهيأة المصدرة للحكم ؟
جواب السيد الوزير: مما لا شك فيه أن وزارة العدل كانت من وزارات السيادة إن لم أقل الوزارات السياسية في دولة المخزن التي لعبت أدوارا حاسمة في تحقيق مجموعة من الأهداف المقررة لها باسم السلطة القضائية، سواء عبر تحريك المتابعات الزجرية في ملفات تهدم بعض رموز الدولة الذين خدموها ردحا من الزمن، أو في ملفات الصحافة أو ملفات الرأي، إذ تتم محاكمة كل من يخالف لغة الدولة وتوجهاتها، على اعتبار انه  نشاز في اللغة المتداولة.
واليوم الرغبة أكيدة في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون ومواصلة العمل على تقوية مؤسسات دولة حديثة، ولن يتحقق ذلك إلا بالذود عن حمى استقلالية السلطة القضائية.
ولا يحق لوزير العدل ولا لغيره أن يتدخل في القضايا المعروضة على القضاء ولا يسمح لي القانون بأن أوجه تعليمات إلى القضاء الجالس وهو يفصل في الخصومات سواء في صورتها المدنية أو الزجرية.
لن أسمح لنفسي كشخص مهني وجزء من أسرة العدالة بذلك ناهيك وأنا وزير للعدل، مؤتمن على حقوق المغاربة في محاكمة عادلة.
لن أرضى أن يسجل على وزير العدل، أنه مارس الضغط على قضاء الحكم في قضية عرضت عليه.
لن أرضى أن يسجل على وزير في حكومة عينت من طرف صاحب الجلالة أن يتداول أنه تدخل في قضية ما، حين يقوم القاضي بإحالة هذا الفعل إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
لن أرضى أن يسجل على وزير العدل، أنه خالف أحكام الدستور وخاصة في فصله 109 الذي يعاقب كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة. وبذلك فإن مجال التدخل في ملفات رائجة أمام القضاء أمر غير وارد بالمرة احتراما للاعتبارات الواردة أعلاه ذلك أن الدفاع عن المبدأ، لا يكون على حساب مبدأ آخر مقدس مواز له في الدرجة أو أعلى منه.
ولن أرضى أن يسجل على وزير العدل أنه امتنع عن تنفيذ أو أعاق تنفيذ حكم نهائي صادر عن القضاء وباسم جلالة الملك لأنها عنوان للحقيقة، أما الحقيقة الواقعية فلا يعلمها إلا لله.

في حالة صدور أحكام قضائية بالعقوبة السالبة للحرية، وتكونت لديكم القناعة الشخصية بأنها غير متناسبة، فهل ستقدمون بشأنها طلبا للعفو إلى جلالة الملك ؟
 جواب السيد الوزير: يجب أن نميز بين العفو العام الذي يبقى من اختصاص السلطة التشريعية وقد ينصب في شكل مقترح أو مشروع قانون.
ومن شأن هذا العفو العام في المادة الجنائية أن يأتي على إضفاء الصبغة الإباحية على الفعل الذي كان في وقت من الأوقات داخلا في دائرة التجريم والعقاب، وهذا من شأنه أن يسري بأثر رجعي، ويمس بما سبق أن وقع القضاء به من طرف مجموع محاكم المملكة، أو يضع حدا للمتابعات التي لم يفصل فيها بعد.
في حين أن العفو الخاص من صلاحية جلالة الملك يمارسه طبقا للفصل 58 من الدستور.
ومن شأن العفو الخاص الإعفاء من العقوبة الزجرية السالبة للحرية أو الغرامة أو هما معا دون أن ينزع عن الفعل الصبغة الجرمية.
يعتبر جلالة الملك، ضامن حقوق وحريات المواطنين، وهو الأب والحكم لجميع المغاربة، ولن يكون وزيرا للعدل في حكومة يعينها جلالة الملك أكثر حرصا وضمانا للحريات من رئيس الدولة وممثلها.
وإن باب تقديم طلب العفو الخاص شخصي، ويخضع لإجراءات مسطرية، وله جهاز إداري منظم، وهذا الباب مفتوح لكل مواطن مغربي، لأن مؤسسة العفو قائمة على اعتبار العطف والصفح، ولها اعتبارات أخلاقية ودينية وهذا مقرر في جميع الأنظمة الدستورية المقارنة.
وللإشارة في هذا المقام، فإن لوزير العدل أن يمارس مسطرة المراجعة المقررة في قانون المسطرة الجنائية وفق شروط إعماله والمؤطر بمجموعة من القواعد الإجرائية.

هل في ظل المؤسسات الدستورية الجديدة، تعتبرون نفسكم وزيرا للعدل أم مجرد وزير مكلف بإدارة العدل ؟
جواب السيد الوزير: يبدو من الصعب الحديث عن وزير للعدل بالوظيفة والاختصاصات التي سبق أن منحت له بمقتضى النصوص القانونية، إذ لم يعد وزير العدل ضمن تشكيلة المجلس الأعلى للسلطة القضائية كما كان عليه الأمر في المجلس الأعلى للقضاء، حيث وزير العدل ينوب عن جلالة الملك في أشغال هذه المؤسسة الدستورية الملغاة، فقد أضحى الرئيس الأول بمحكمة النقض رئيسا منتدبا لهذه المؤسسة الجديدة.
إذ أصبح المجلس الأعلى للسلطة القضائية مؤسسة دستورية مستقلة ماليا وإداريا عن وزارة العدل، ويستأثر بمهمة التعيين والترقية والتقاعد والتأديب.
ومن القواعد المقررة قانونا وعقلا وعمليا، أن من يملك سلطة التأديب والتسمية يمتلك سلطة التوجيه لا في السياسة القضائية بوجه عام، بل وفي السياسة الجنائية على وجه الخصوص.
ويستفاد من مختلف الجوانب الدستورية الجديدة أن وزارة العدل ليست مدعوة لوضع تصور جديد وحداثي لمضمون العدالة في المغرب، لأن المكون الأساسي لمشكل العدالة يبقى خارج تأطير وزارة العدل، بل هو بين يدي المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وبذلك فإن وزارة العدل تبقى إدارة مكلفة بالمباني وصرف الأجور للقضاة والعاملين في كتابة الضبط، والإشراف على المهن القضائية الأخرى.
< ألا يعتبر هذا الجواب تهربا من مسؤوليتكم والحال أنكم الرئيس المباشر للنيابة العامة وأنهم من يشرف على تنفيذ السياسة الجنائية طبقا للفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية ؟
< جواب السيد الوزير: إن مقتضيات الفصل 51 من قانون المسطرة الجنائية الذي يمنح وزير العدل سلطة الإشراف على النيابة العامة نص به جرثومة عدم الدستورية، لأن المشرع الدستوري ارتقى بالقضاء إلى مستوى السلطة المستقلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية، ويبقى من باب خرق الفصل 107 من الدستور الإبقاء على مظاهر وصاية السلطة التنفيذية والممثلة في وزارة العدل ضمن تركيبة السلطة القضائية سواء بقضائها الواقف أو بقضائها الجالس.
إضافة إلى أن النيابة العامة كجهاز قضائي، أضحت مؤسسة ملزمة بتطبيق القانون، وحتى في حالة توصلها بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن سلطة إدارية يتبعون لها وفقا للفصل 110 من الدستور الجديد.
نحن نؤيد أن يجرد وزير العدل من الإشراف المباشر لرئاسة النيابة العامة، وإلحاقها بالوكيل العام لمحكمة النقض حفاظا على هيأة المؤسسات الدستورية، وطمأنة من يتوهمون أن وزير العدل الحالي سوف يقوم بخرجات غير مضبوطة.
وأنه سوف يحيل ملفات حساسة على القضاء من أجل المتابعات بشأنه.

ما هي بعض المقترحات التي سوف تساهمون بها من أجل تطوير الأداء القضائي وجودته ؟
جواب السيد الوزير:
أولا، لا تروقني عبارة الإصلاح، مما يعنيه من عطب كلي أو جزئي لمرفق القضاء، وهو غير الحقيقة، بل يتعين التفكير في تطوير أدائه، وتحسين جودته وتخليقه، وهذا لن يكون إلا بالنسبة لفئة المهن القضائية وكتابة الضبط التي تشتغل مباشرة مع الوزارة، في حين أن قضايا فئة القضاة أضحت من صلاحيات المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ليس فقط في التسمية والتأديب وإنما في جميع الجوانب الأخرى المرتبطة بهذه الفئة.
ثانيا، أن جودة الأداء القضائي تقتضي وضع معايير محددة ومعروفة لتولي المسؤوليات القضائية إذ أثبتت التجربة والممارسة ثقافة الولاءات من خلال حرق المراحل من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الأولى أو التكليف بالدرجة الاستثنائية خارج مسطرة الترقية العادية أو حتى السريعة.
إذ يجب في قرارات التكليف والتعيين أن تكون معللة شأنها شأن الأحكام، وأن تكون مقنعة وفقا للمعايير الموضوعية كالكفاءة العلمية وغيرها.
ولأجله سوف نعمل على المساهمة بشكل فعال في إعداد مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
ثالثا، من اللازم العمل على تطوير الأداء القضائي والشفافية في الخدمات داخل القضاء، ولن يكون ذلك إلا بإعادة الاعتبار لمختلف المهن القضائية وخاصة قطاع المحاماة. فباستثناء المادة الجنحية، فإن المساطر في المادة المدنية والتجارية كلها كتابية، وتستلزم المحامي. ورغم ذلك فإن المحاكم مكتظة بالمتقاضين، ما يثقل عمل كتابة الضبط في إجراءات إضافية.
رابعا، سوف نعمل على فتح نقاش بين مختلف المتدخلين في المادة القانونية بخصوص كل مشروع قانون سيطرح على أنظار الحكومة، وسوف نأخذ بعين الاعتبار جميع التوصيات الجادة والمنبثقة عن الندوات العلمية والعمل على تقريب أكثر بين الفقه القانوني المغربي وبين المؤسسة التنفيذية والتشريعية.
< وأين الحريات ضمن برنامج وزارتكم؟
< جواب السيد الوزير: إلى يومه لم أستوعب بعد لماذا ألحق هذا اللفظ وما يحمله من دلالة بوزارة العدل، على أساس أن الحريات من الحقوق الفوق دستورية، ولا تحتاج إلى رعاية خاصة من وزارة العدل.

سؤال: لو لم تكن محاميا، ما هي المهنة التي سوف تختارها؟
جواب السيد الوزير: لو لم أكن محاميا، لكنت محاميا.

الدكتور عمر أزوكار: محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى