fbpx
افتتاحية

قطيعة

تبنت حكومة سعد الدين العثماني توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بخصوص فرض رسوم التسجيل بالتعليم العالي على الأسر الميسورة، في مرحلة أولى، انسجاما مع القانون المتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي، الذي يقطع مع تحمل الدولة، وحدها، مسؤولية تمويل التعليم، بإقرار مساهمة المستفيدين من المرفق العمومي، حسب الاستحقاق والقدرة.
كان لابد للحكومة الحالية أن تُجنب التعليم “السكتة القلبية”، فإصلاح التعليم ورش قديم اكتفت كل الحكومات السابقة بالبكاء على أطلال المدرسة الوطنية، دون اللجوء إلى إجراءات أكثر شجاعة تنعش قلبها وتعيد توهجها.
للأسف، وفي كل القضايا الحساسة، يزيغ قطار النقاش عن سكته الصحيحة، ونلمس “تحريفا” لخطوة الحكومة في فرض رسوم الأداء في مجال التعليم العمومي التي تضمنها الرأي الاستشاري المقدم من قبل المجلس الأعلى للتربية والتكوين، إذ توجهت كل سهام النقد إلى الحكومة باعتبارها ستقضي على مجانية التعليم.
لا أحد من الغاضبين من فرض رسوم الأداء في التعليم تحدث، إلا نادرا، عن جودته، وإجبار الحكومة على أجرأة كل مضامين القانون المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، واقتصر الغضب على محور دون غيره، رغم تصريح رئيس الحكومة بأن الرسوم تؤديها الأسر الميسورة، وتستثنى منها الفقيرة.
لقد أصبح قطاع التعليم يشبه تماما “كرة القدم”، وهو تشبيه، رغم مرارته، صحيح، فالجميع يفهم في خطط المدربين، وأداء اللاعبين، وينتقد الحكام، ولا يهمه إلا تحقيق نتائج آنية، وليس بناء فريق المستقبل بأسلوب لعب حديث، وفي التعليم يتم انتقاد دفع الأسر الميسورة مساهمات الاستفادة من المرفق العمومي وفق مبدأي الاستحقاق والقدرة على الأداء، وتجاهل أجيال مهددة بالضياع، ومجتمع تواق إلى تعليم جيد وحديث يبني عقول المستقبل ولا يدمرها.
يقال عادة “إن الشيطان يكمن في التفاصيل”، والنقاش الحالي حول الرسوم يستهوي “الشياطين”، إذ كان يفترض إحراج الحكومة الحالية بإجبارها على الوفاء بوعود الاستفادة من خدمات تعليم ذي جودة عالية، وإنصاف التلاميذ الذين يعانون الهشاشة، خاصة في العالم القروي، ومساهمتها في تذليل الصعاب للأسر الفقيرة بتوفير مصاريف النقل في غياب الداخليات، وتوفير أدوات ولوازم من كتب ودفاتر.
الكرة الآن في مرمى الحكومة لقطع الطريق على المستفيدين من فشل التعليم، بتحديد الأسر الميسورة وفق معايير موضوعية، وتوفير “منتوج” تعليمي جيد يستحق سنوات من التفكير والدراسات وتضحيات الأطر التربوية، ولم لا الاعتراف بالأخطاء والفشل في قضايا معينة، فيكفي أن كل المنظمات الدولية تصنف النظام التعليمي بالمغرب من بين الأسوأ عالميا، وفشله في ضمان جودة شاملة تبدأ من المجال التربوي إلى مجموعة من المعايير والإجراءات وتوفير أدوات وأساليب متكاملة تساعد المؤسسات التعليمية على تحقيق “القفزة المنتظرة”.
في 2013، شخص الملك وضعية التعليم بقوله: “إن الوضع الراهن لقطاع التربية والتكوين يقتضي إجراء وقفة موضوعية مع الذات، لتقييم المنجزات، وتحديد مكامن الضعف والاختلالات”، والآن انطلقت مسيرة ألف ميل من أجل تكوين جيد يسهم في بناء العقول والأدمغة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى