حوادث

دراسة: طبيعة الحكم القاضي بإرجاع رخصة السياقة

المشرع المغربي وضع نوعا من التوازن بين حق النيابة العامة وحق صاحب الرخصة

 

في ظل المدونة الجديدة للسير على الطرق، كثيرا ما يتقدم مؤازر المتهم بطلب عارض يرمي إلى إرجاع رخصة السياقة التي سبق للنيابة العامة أن أمرت بالاحتفاظ بها. فما هي طبيعة الحكم الذي تصدره المحكمة حول هذا الطلب؟ وهل هذا الطلب مقبول من الناحية الشكلية؟ ومتى يقبل الحكم القاضي بإرجاع الرخصة الطعن بالاستئناف أو النقض؟

في ظل المدونة الجديدة للسير على الطرق، كثيرا ما يتقدم مؤازر المتهم بطلب عارض يرمي إلى إرجاع رخصة السياقة التي سبق للنيابة العامة أن أمرت بالاحتفاظ بها. فما هي طبيعة الحكم الذي تصدره المحكمة حول هذا الطلب؟ وهل هذا الطلب مقبول من الناحية الشكلية؟ ومتى يقبل الحكم القاضي بإرجاع الرخصة الطعن بالاستئناف أو النقض؟

يلاحظ أنه في كثير من الأحيان تتضمن طلبات الدفاع التماسا بارجاع رخصة السياقة التي سبق سحبها من قبل النيابة العامة، لكن الواقع هو أن النيابة العامة في ظل المدونة الجديدة للسير ليس من صلاحيتها سحب رخصة السياقة وإنما تقرر الاحتفاظ بها في الحالات المنصوص عليها في القانون ويجب على  وكيل الملك داخل أجل لا يتعدى 7 أيام أن يبلغ كل المعلومات المتعلقة بكل احتفاظ برخصة السياقة وجميع المقررات الصادرة عنه إلى السلطة الحكومية المختصة قصد تسجيلها، وهو ما نصت عليه مقتضيات المادة 217 من مدونة السير.
وقرار الاحتفاظ برخصة السياقة الذي يتخذه وكيل الملك قرار مؤقت وإجراء تحفظي له طابع مؤقت، ويجب على الإدارة (وزارة النقل في حالة عدم توصلها بنسخة من الحكم بتوقيف رخصة السياقة أن ترجعها إلى صاحبها تلقائيا عند انصرام المدة القصوى المنصوص عليها في المواد 168 و170 و173. ففي حالة وقوع حادثة سير بجروح مع وجود عجز تتجاوز مدته 21 يوما أو حادثة سير نتجت عنها وفاة أو عاهة مستديمة، يتعين على الإدارة (وزارة النقل) أن ترجع رخصة السياقة لصاحبها عند عدم توصلها بالحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به عند انقضاء المدة القصوى لتوقيف رخصة السياقة المنصوص عليها قانونا.
إن المشرع المغربي وضع نوعا من التوازن بين حق النيابة العامة في الاحتفاظ برخصة السياقة متى ثبتت مسؤوليته عن الحادثة وحق صاحب الرخصة في استعادتها تلقائيا متى تأخر البت في جوهر  الدعوى فألزم الإدارة طبقا للمادة 174 من مدونة السير، بإرجاع الرخصة المحتفظ بها بدون انتظار توصلها بالحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به متى انقضت المدة القصوى لتوقيف رخصة السياقة المنصوص عليها قانونا.
إن عبارة «استرجاع رخصة السياقة التي سحبتها النيابة العامة» والتي كثيرا ما يتم تضمينها في مذكرات الدفاع الرامية لارجاع الرخصة هي عبارة غير دقيقة.
فسحب رخصة السياقة من صلاحية الإدارة التي لها الحق في اتخاذ قرار سحبها من صاحبها متى ثبت بعد فحص طبي يجرى وفق مقتضيات المواد 14 و15 و16 و19 و20 من مدونة السير، أن صاحبها أصبح غير قادر على سياقة المركبات، إما بسبب حالته البدنية أو بسبب حالته العقلية، ولا يمكن إرجاع الرخصة لصاحبها إلا بعد أن يثبت بفحص طبي يجرى وفق المقتضيات المذكورة في الفصول السابقة أن الشخص المعني بالأمر أصبح مؤهلا للسياقة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل من حق المحكمة أن تصدر حكما بارجاع رخصة السياقة التي سبق للنيابة العامة أن أمرت بالاحتفاظ بها؟
إنه في ظل المدونة الجديدة للسير على الطرق لم يصبح من حق المحكمة أن تقرر ارجاع رخصة السياقة التي احتفظت بها النيابة العامة لأن قرار الاحتفاظ بالرخصة من طرف النيابة العامة والذي له طبيعة مؤقتة، يبقى للإدارة وحدها الحق في وضع حد له وفقا لمقتضيات المادة 174، فالإدارة وحدها هي المؤهلة لوضع حد لقرار الاحتفاظ برخصة السياقة وفق الشروط التي نصت عليها المادة 174 من مدونة السير.
إذا فالأحكام التي تصدرها المحاكم بشأن إرجاع رخصة السياقة المحتفظ بها تبقى عديمة الأساس القانوني فلا يمكن للمحكمة أن تقرر في رخصة السياقة، إلا بعد الفصل في مسؤولية مرتكب الحادثة، فمتى ثبتت مسؤولية مرتكب الحادثة أمرت بمعاقبته مع اصدار عقوبة اضافية تتمثل في توقيف رخصة السياقة لمدة معينة محددة قانونا، أما إذا لم تثبت مسؤولية مرتكب الحادثة فإن المحكمة تقضي ببراءته ويصبح الاحتفاظ برخصة السياقة التي أمرت به النيابة العامة غير ذي موضوع، ويتعين إذ ذاك على الإدارة تنفيذ مقتضيات الحكم الحائز لقوة الشيء المقضي به القاضي بالبراءة، وبالتالي إرجاع الرخصة إلى صاحبها لكونه غير مسؤول جنائيا، وبالتالي فلا يمكن عقابه عن أفعال لم تثبت في حقه، سواء كان هذا العقاب عقوبة أصلية بالحبس والغرامة أو إحداهما أو عقوبة اضافية بتوقيف رخصة السياقة.
إن فلسفة المشرع المغربي كانت واضحة في هذه النقطة، فالفصول 167 و168 و169 و170 و171 و172 من مدونة السير تطرقت أولا للبت في المسؤولية عن حادثة السير ثم مرحلة ثانية تطرقت للعقاب، فلا يمكن التصدي للعقاب بتوقيف رخصة السياقة مدة معينة قبل البحث في ثبوت مسؤولية مرتكب الحادثة من عدمها.
إن الحكم القاضي بإرجاع رخصة السياقة لصاحبها يتعلق بطلب عارض تقدم به مؤازر المتهم، هذا الطلب المعروض على المحكمة كثيرا ما تنازع فيه النيابة العامة التي أمرت بالاحتفاظ برخصة السياقة ،فحكم المحكمة في شأن هذا النزاع العارض تنطبق عليه مقتضيات المادة 401 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه لا يقبل استئناف الأحكام التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفوع إلا بعد صدور الحكم في جوهر الدعوى وفي الوقت نفسه الذي يطلب فيه استئناف هذا الحكم.
لذلك فالطعن بالاستئناف في الأحكام القضائية بارجاع رخصة السياقة لا يقبل إلا مع الطعن في جوهر الدعوى وفي الوقت نفسه الذي يطلب فيه استئناف موضوع الدعوى، وأجل الاستئناف بشأن الأحكام القاضية بإرجاع رخصة السياقة لا يبتدئ سريانه إلا مع بدء سريان اجل استئناف جوهر الدعوى وبالتالي يتعين على رئيس كتابة الضبط أن يمتنع عن تسليم شهادة بعدم الطعن بالاستئناف في الحكم القاضي بإرجاع رخصة السياقة، إلا عندما يتأكد أن جوهر الدعوى لم يتم استئنافه. وفي حالة استئناف الحكم القاضي بارجاع رخصة السياقة بصفة مستقلة قبل البت في جوهر الدعوى، يتعين على محكمة الاستئناف التصريح بعدم قبول الاستئناف عملا بمقتضيات المادة 401 من قانون المسطرة الجنائية، كما أن الطعن بالنقض في القرار الذي يبت في رخصة السياقة بصفة مستقلة قبل البت في الجوهر لا يقبل الطعن فيه بالنقض إلا مع الجوهر، إذ نصت المادة 522 من قانون المسطرة الجنائية على أنه لا تقبل المقررات الإعدادية أو التمهيدية أو الصادرة في نزاع عارض أو دفع الطعن بالنقض إلا في آن واحد مع الطعن بالنقض في المقرر النهائي الصادر في الجوهر.
بقلم: لحسن منسي: نائب وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية
بسوق أربعاء الغرب
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق