fbpx
حوادث

الحصانة والإفلات من العقاب

السباعي: ما أحوجنا إلى قضاء مستقل كفؤ عادل فهو الصخرة التي تُبنى عليها الأوطان وتتحطم عليها رياح الفساد

الحصانة لغة تعني الحماية والوقاية، فهناك الحصانة القضائية والبرلمانية والدبلوماسية. والحصانة البرلمانية من  أكثر أنواع الحصانات شهرة وإثارة للجدل حول مدى حدودها ونطاق تطبيقها .

يتمتع أعضاء الحكومة  بحصانة خاصة  بحيث لا يحاكم  الوزراء إلا أمام المحكمة العليا والتي لم يظهر لها أثر منذ دستور 1962
وفلسفة المشرع من الحصانة هي تمكين العضو من القيام بعمله بقدر من الحرية والأمان دون خوف، ودون  أن يكون واقعاً تحت سيف المحاكمة والمساءلة لأسباب ليس له مصلحة شخصية فيها. لكن في المقابل هناك حصانات خفية يستفيد منها أشخاص لا يتقلدون أي منصب رسمي، ولكن لهم ظهور يحتمون بها .
ولهذا تعددت الحصانات وعم الإحساس بغياب العدالة وقيمها و غياب سيادة القانون ، وغياب مفهوم الدولة القانونية وحكم المؤسسات ، وانصرف ذوو النفوس الضعيفة إلى  اللهث وراء الحصول على  الحصانة وبأي ثمن .
وتراجع الجميع عن النضال من أجل إرساء قواعد العدالة في المجتمع وأصبحت كل فئة مطالبة بالتجمع والتوحد والمطالبة بحصانة ضد القانون .
لقد تعددت الحصانات واستفاد أصحابها من الإفلات من العقاب ، فهاهو القاضي جعفر حسون الموقوف من مهامه القضائية، يوصف بالموظف من طرف الوكيل القضائي للمملكة بصفته نائبا عن السيد وزير العدل في الملف الإداري عدد303/5/2010 حيث استشهد بحيثيات أربعة  قرارات صادرة عن الغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى تتعلق بتوقيف موظفين عن العمل مؤقتا وفقا لمقتضيات المادة 73 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية ، فهل يعتبر القاضي موظفا ؟
إن القانون يعتبر الموظف كل شخص معين في وظيفة قارة ويرسم في إحدى رتب السلم الخاص بأسلاك الإدارة التابعة للدولة ، لكنه  استبعد رجال القضاء و العسكريين وهيأة المتصرفين بوزارة المالية.
و عرف القانون الجنائي المغربي بدوره الموظف بمفهوم واسع في الفصل 224 إذ اعتبر أنه: « يعد موظفا عموميا في تطبيق أحكام التشريع الجنائي كل شخص كيفما كانت صفته يعهد إليه في حدود معينة بمباشرة وظيفة أو مهمة ولو مؤقتة باجر أو بدون أجر، ويساهم بذلك في خدمة الدولـة أو المصالح العمومية أو الهيآت البلدية أو المؤسسات العمومية ذات النفع العام …الخ
ولعل هذا المفهوم الواسع للموظف أريد منه حماية المواطن من شطط الموظفين الساهرين على تسيير مرافق الدولة والمؤسسات العمومية وكذا الهيآت المحلية .
فإذا سلمنا جدلا بما استشهد به الوكيل القضائي من أن الأستاذ جعفر حسون  موظف،ا فلهذا الموظف حقوق تتمثل في الحق في المساواة والتمتع  بالحريات الأساسية العامة والحقوق المدنية والسياسية كسائر المواطنين كحرية التجول والاستقرار وحرية الرأي والتعبـير وتأسيس الجمعيات والانخراط في المنظمـات النقابيــة والسياسية والترشيح لمختلف الهيآت ،كما يحق له التمتع بالحق  النقابـي.
انه وحسب الفصل السابع عشر من الظهير المؤرخ في 24 فبراير 1958 فالموظف ملزم بضرورة طاعة أوامر رؤسائه الصادرة إليه في نطاق عمله وفي ذلك ضرب لاستقلال القضاء والذي يعتبر مطلبا لكافة القوى الحقوقية ببلادنا .
ثم إن للموظف أجرا لكن هل يعتبر القاضي أجيرا ؟
فمن شروط القاضي أن يكون مجتهداً، ولا يأخذ حكم الأجير أي يقدر له معاش محدد بقدر حاجته .
فالقاضي يتولى رفع النزاع الواقع بين الناس والدولة فعمله قضاء وحكم فهو يحكم على الحاكم وينفذ الشرع عليه .
فإذا كان شرف القضاة وضميرهم وتجردهم هو الضمانة لحقوق الناس وحرياتهم، فالأولى بالقائمين على السلطة القضائية أن يعملوا جاهدين على توفير وسائل الراحة والأمان والاطمئنان للقاضي، بما يجعله مطمئناً على حاضره ومستقبله ومستقبل أسرته، وتحصينه ضد كل المغريات.
إن القاضي جعفر حسون من المنتخبين بمؤسسة دستورية هي المجلس الأعلى للقضاء، فحصانته تمنع وزير العدل من المساس بها، وتوقيفه اعتداء مادي يقتضي الأمر برفعه وإزالة آثاره فلا يوجد بالدستور ولا في النظام الأساسي لرجال القضاء ما يخول وزير العدل التصرف في شؤون المجلس الاعلى للقضاء ولاسيما توقيف أو تأديب أعضائه، ففي ذلك انحراف لميزان العدالة نحو جهة على حساب الجهة الأخرى.
إن توقيف القاضي جعفر حسون من مهامه القضائية حرمه من عمله ومن  أجره ومن حقوقه المدنية بمنعه من التصويت على أعضاء المجلس الأعلى للقضاء ومنعه من الحضور بالجمع العام للودادية الحسنية، ويمكن إن يكون ممنوعا حتى من السفر للخارج . أما مدير  سوق الجملة للخضر والفواكه بالدار البيضاء فلازال حرا طليقا  يمارس عمله باطمئنان رغم متابعته بالارتشاء وإهدار المال العام وهو في حالة سراح ،ويتم التحقيق معه في ملف آخر ولا زال يستفيد من  أجره ومن الرشاوى التي يتقاضاها يوميا فهل يتمتع هو الآخر بالحصانة ؟ ومن منحها له ؟ هل عمدة الدار البيضاء أم البرلمانيون المستفيدون من الكعكة أم أشخاص خفيون يمنحون الحصانات في السر وهاهو القاضي الأستاذ عادل بوحيى يتعرض لاعتداء شنيع من طرف حفصة أمحزون أثناء قيامه بعمله وأمام  العموم، ولم يتخذ وكيل الملك أي إجراء في حق الجانية المتمتعة بحصانة خفية .
وعلى سبيل الختم نسوق للقارئ الكريم  واقعتين قضائيتين ببريطانيا :
الأولى تتعلق بمحاولة ارشاء قاض ، فقد قيل إن وكيل أحد المتهمين «بجريمة قتل» عرض رشوة بمبلغ ثمانين ألف جنيه إسترليني على رئيس المحكمة، لتبديل الوصف الجرمي المنسوب لموكله من جرم القتل العمد إلى جرم القتل الخطأ، وقبل جلسة النطق بالحكم، طلب القاضي من الموظف المختص بتدبير شؤون القضاة المادية ، تحرير شيك باسمه بقيمة الرشوة التي عرضت عليه، وفعلاً امتثل الموظف لطلب القاضي وحرر له شيكاً بالمبلغ الذي طلبه، دون أن يسأله عن السبب في طلب هذا المبلغ الكبير. وذهب القاضي إلى المحكمة بعد وضع الشيك في جيبه، وأصدر قراره العادل بإدانة المتهم بجريمة
القتل العمد. وبعدها أعاد الشيك إلى الجهة التي أصدرته، عندها سأله الموظف باستغراب: لماذا أخذت الشيك ولم تصرفه؟ فشرح له القاضي ما جرى معه مضيفاً: كي أتأكد أن طلباتي مستجابة، وأن مستقبلي مضمون.
والثانية بمحكمة أولد بيلي فى لندن حيث قضت المحكمة بالسجن المؤبد على الأمير السعودي، سعود بن ناصر آل سعود، بتهمة قتل مساعده بندر عبد العزيز على أن يقضي في السجن عشرين عاما على الأقل، إذ كانت تربطه بخادمه القتيل علاقة جنسية شاذة وأنه قد نفذ جريمته  «بهدف التسلية، وخاطبه القاضي البريطاني قائلا
«ليس من المعتاد أن يقف أمير في قفص الاتهام، ولكن لا أحد فوق القانون في هذا البلد» وقال القاضي مشيرا إلى ما التقطته كاميرات المراقبة من اعتداء الأمير على ضحيته: «الجانب المفزع في المشهد هو أن ضحيتك لم يبد أي مقاومة، لو كانت لديك رحمة لطلبت له الإسعاف، ولكنك مهتم بنفسك فقط.
فما أحوجنا لقضاء مستقل كفء عادل، فهو الصخرة التي تُبنى عليها الأوطان، وتتحطم عليها رياح الفساد التي هبت على كل ركن وزاوية في مغربنا العزيز، فهو وحده الكفيل بحماية حرية الإنسان وحقوقه.
فيا رحمان يا رحيم يا أرحم الراحمين أسألك اللطف بما جرت به المقادير.

 طارق السباعي: رئيس الهيأة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى