fbpx
خاص

“سلطان الأعياد” في عهد الحسن الثاني

هكذا حول الملك الراحل 3 مارس عيدا وطنيا “مقدسا” ومنصة لتوجيه الرسائل وتثبيت أركان العرش

«سلطانا للأعياد دون منازع»، أو هكذا كان مغاربة ما قبل الألفية الثانية يتمثلون عيد العرش الذي كان يصادف 3 مارس من كل سنة، وهو التاريخ الذي ألقى فيه المغفور له الحسن الثاني
أول خطاب «تاريخي» لتسلمه مقاليد الحكم بالمملكة العلوية في 3 مارس 1961، خلفا لوالده محمد الخامس الذي وافته المنية 26 فبراير من السنة نفسها (صادف 10 رمضان).

منذ البداية، حرص الملك الحسن الثاني على أن يجعل من عيد الجلوس مناسبة وطنية غير عادية، وسهر هو نفسه على التخطيط لذلك حتى يحول ربوع المغرب إلى مهرجانات مفتوحة من الألوان الحمراء والخضراء والموسيقى والغناء والرقص والاستعراضات ومواسم «التبوريدة» التي تمتد 3 أيام متتالية دون انقطاع.

استعداد مبكر

فخلاف الأعياد الوطنية، وحتى الدينية الأخرى، كانت لعيد العرش حظوة كبيرة لدى رجال السلطة في أغلب المدن والقرى المغربية الذين يبدؤون الاستعدادات مبكرا لهذه المناسبة التي تتوج بخطاب «مرتجل» لجلالة الملك يعرض فيه الحصيلة ويوجه فيه الرسائل ويهدد ويتوعد الخارجين عن الخط، كما يلقي فيه البشرى وبعض القرارات والإجراءات «السعيدة» التي يستقبلها المغاربة بشغف كبير.
ويتذكر أغلب المغاربة عيد العرش الحسني بكثير من الحنين والذكريات والحكايات الواقعية وأخرى من نسج الخيال، إذ اقتربت المناسبة أن تتحول إلى أسطورة مغربية، ولا يذكر 3 مارس وإلا وتسمع أصوات الأهازيج والدق على الطبول والمزامير وصدى مكبرات الأصوات التي تلعب بها الرياح وتصل إلى أبعد مكان ممكن، وقد اعتلت المنصات المبثوثة في كل مكان فرق الشيخات (تتقدمها آنذاك فرقة ولاد بنعكيدة وفاطنة بنت الحسين، وفرقة الحمونية، والبيضاوية والحمداوية..) ثم الفرق الأمازيغية القادمة من تخوم سوس وجبال الأطلس وفرق حمادشة والدقة المراكشية وعيساوة وفرق الملحون والطرب الأندلسي، إضافة إلى الفرق المحلية ومجموعات التنشيط الفكاهي التي كانت تجد لها مكانا في هذه المناسبات.
وتكاد الفرحة تعم أرجاء المغرب برمته، إذ يستحيل أن تجد مدينة أو قرية دون احتفال أو منصة صغيرة يشرف عليها رجال السلطة الذين كانوا يشكلون لجان تنسيق في جميع المناطق لإعداد الفقرات ومواد ومقترحات الاحتفالات والاستعراضات قبل الحسم فيها.

صور للذكرى

ما يشد الجيل الذي ولد في بداية السبعينات والثمانينات وما قبلها، تلك اللحظات التي تتزين فيها المدارس ويتم تدريب التلاميذ على النشيد الوطني والمسرحيات الملحمية، فيما تعلو صورة الملك الحسن الثاني سبورة الأقسام كلها.
في القرية كان الناس يتوجهون إلى أقرب مركز حضري حيث فرق «التبوريدة»، والخيام المنصوبة من قبل الجماعة المحلية أو القيادة والتي يتم وضع منصة أمامها لتكون ركحا لفرق الموسيقى الشعبية والأهازيج والزجالين.
وفي كل الاحتفالات، التي كان يشرف عليها إدريس البصري شخصيا ويتتبع كل صغيرة وكبيرة بها ولا يسمح بالخطأ، كانت صور الملك بأحجام ووضعيات مختلفة تتصدر المشهد، كما كانت الصور تتقدم الاستعراضات الكبرى وتزين جنباتها بمصابيح ملونة تتراقص على إيقاعات موسيقى الفرق الفلكلورية المحلية.
ويعتبر هذا الطقس أساسيا (صور الملك) لتجديد الولاء والبيعة إلى الجالس على العرش، كما يحضر النشيد الوطني بقوة وتتردد أصداؤه عبر مبكرات للصوت داخل المنازل والمدارس والمؤسسات الإدارية والساحات الكبرى، ويتقاطع مع الأغاني الوطنية الحماسية الممجدة للحسن الثاني، وهي أغان تشتغل عليها الأجواق الوطنية بالإذاعة والتلفزة المغربية لأشهر ويجند عدد من الموسيقيين والملحنين وكتاب الكلمات والمغنين وفرق «الكورال» لهذا الغرض.
ويلخص عدد من الباحثين في التاريخ هذه الحالة بأن احتفالات 3 مارس كانت عيد الدولة بامتياز. وبما أن الدولة هي الحسن الثاني، كان على المغاربة جميعا أن يحتفلوا. وكانت التحضيرات والتوجيهات وتأطير هذه الاحتفاليات تتم فوقيا، فيما التنفيذ يكون على المستوى الأدنى، ويتوسع أفقيا نحو الهوامش والمناطق المهمشة والمعزولة التي ينفتح عليها المخزن في هذه المناسبة. وكانت الغاية هي خلق صورة متفردة لشخص الملك، بما يجعله أبا للجميع وفوق الجميع، يخيف ويطمئن، يعاقب ويجازي، يعطي ويمنع، هي من أدبيات البروتوكولات الملكية التي تبلغ ذروتها في حفل الولاء الذي يقام غداة عيد العرش.

استنتاج الدروس

على مدى 10 سنوات (1971-1961)، كانت احتفالات العرش تأخذ طابع تثبيت لأسلوب حكم جديد يتمحور على شخص الملك وتقديسه أحيانا، وهو رؤية خالصة للحسن الثاني الذي كان يعتبر نفسه رمزا لوحدة الأمة وضامن تقدمها وتطورها واستقرارها، وأي اختلاف حوله، مهما بدا صغيرا، سينهار كل شيء.
أما بعد هذه السنة، أي 1971 و1972 اللتين شهدتا أعنف انقلابين عسكريين ضد الملك، واحد من المؤسسة العسكرية، وآخر من أقرب المقربين إليه (وزير الدفاع ووزير الداخلية) الذي كان ينتمي أيضا إلى هذه المؤسسة (الجنرال محمد أوفقير)، تغيرت نظرة الحسن الثاني إلى كثير من الأمور وراجع عددا من حساباته واستخلص الدروس التي ينبغي أن تُستخلص في ذلك الوقت.
ومن هذه الدروس، أن الخطر يمكن أن يأتي من أقرب المقربين ومن «شلة» الأوفياء والأصدقاء وليس من الشعب نفسه، ما انعكس أيضا على احتفالات عيد العرش التي تحولت إلى مواسم للفرح وتوزيع صكوك العرفان على مغاربة أحرار وضعوا أياديهم على قلوبهم خوفا على ملك تعرض لعدد من المؤامرات كادت تودي بحياته، كما بكوه بحرقة وخرجوا عن بكرة أبيهم وراء جنازة مهابة حين وافته المنية في يوليوز 1999.

بصمة “سي ادريس”

لم يكن الملك الراحل الحسن الثاني يحتاج في تنفيذ تصوره لعيد العرش سياسيا واجتماعيا وإعلاميا وإشعاعيا (على المستوى الدولي على الخصوص) إلى أكثر من رجل داهية اسمه إدريس البصري يعرف ملكه قبل أن يفصح الأخير عن ذلك.
بصم ابن الشاوية القوي احتفالات عيد العرش ببصمة خاصة، وجعل منها أيقونة تاريخية لن تتكرر أو تعاد بالطريقة والإخراج نفسه. فرغم تواضع الإمكانيات التقنية والإعلامية واللوجيستيكية (مقارنة مع اليوم)، استطاع وزير الداخلية أن يخلق الحدث وينال رضى الملك الراحل الذي كان يبدو منتشيا بما يجري في أرجاء المغرب «الملتهب» نشاطا وغناء وموسيقى وتبوريدة واستعراضات.
هذا الرضى كان ينتبه إليه المغاربة في حفل الولاء في اليوم نفسه الذي يلقي فيه الملك خطاب العرش، حين يتقدم إدريس البصري بجلبابه وبرنوسه الأبيضين وقبعته الحمراء، وينحني على «اليدين الكريمتين» ويشبعهما قبلا، فيربت الملك على كتفه، قبل أن يوشوش له في أذنه بعض كلمات أمام الجميع، يقابلها وزير الداخلية بانحناءات متتالية، ثم يلف طرف برنوسه ويختار مكانا قريبا يقف فيه.
كان البصري رجل رموز وإشارات يحرص أن يوصلها إلى الجميع، كما كان يعتبر عيد العرش ليس مجرد احتفالات ونشاط، بل فرصة لقهر الخصوم وإعادة ترتيب الأوراق وحشد الولاءات واستعراض قوة الشعب وتقديمه أمام العالم في صورة شعب فرح وسعيد يغني ويرقص، منتشيا بـ»المسيرة الحسنية التنموية».
يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى