fbpx
ملف عـــــــدالة

الخضراوي: المرحلة تستلزم التوضيح

< تشهد الساحة القانونية والقضائية حدث مناقشة قانون رئاسة النيابة العامة، ماهو رأيكم في ذلك؟
< لابد من التأكيد بداية أننا أمام حدث قانوني برمزية كبرى ودلالات مجتمعية وحقوقية ومهنية متعددة، تعتبر تتويجا لتراكمات سابقة وتؤسس لمرحلة جديدة، من تاريخ المؤسسات ببلادنا والتي ناضلت الودادية الحسنية للقضاة من أجلها كثيرا طيلة السنوات الماضية، ابتداء من وضع دستور 2011 وما رافقه من نقاش ومطالبات، لتكريس استقلالية القضاة من خلال ضمانات دستورية تنظيمية وإدارية ومالية حقيقية، وملموسة، ثم الحوار الوطني حول منظومة العدالة الذي أكدت فيه اللجنة العليا التي عينها الملك ضرورة فصل السياسي عن القضائي، وذلك بإبعاد النيابة العامة عن مؤسسة وزير العدل وإسنادها لمؤسسة الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، وهو التوجه الذي تبنيناه ودافعنا عنه بكل وضوح عند الإعداد للقوانين التنظيمية المتعلقة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والنظام الأساسي للقضاة.
ومن ثم فإن مشروع هذا القانون المتعلق باختصاصات رئاسة النيابة العامة وقواعد تنظيمها يعتبر بالنسبة إلينا محطة جديدة، يعبر من خلالها المغرب بكل مكوناته عن رغبة حقيقية وإرادة أكيدة لاستكمال بناء سلطة قضائية مستقلة ويتعين على الجميع التعبئة لإنجاحها بكل وطنية بعيدا عن أي مزايدات.

< تعالت أصوات تنتقد هذا المشروع في الشق المتعلق بالمحاسبة، إلى أي حد ترون ذلك مشروعا؟
< يبدو أن البعض لم يتقبل لحد الساعة وبعد مرور ست سنوات من الاستفتاء التاريخي على الدستور، أن تستقل النيابة العامة وقضاتها عن وزارة العدل وتعليماتها، إذ يغتنمون كل مناسبة لإعادة تكرار هذا الجدل بالمبررات نفسها والعلل ذاتها، التي سبق الحسم فيها في المحطات السابقة، بعد نقاش مجتمعي ومهني كبير، لقد رفعوا من قبل مبررات من قبيل من سيسائل رئيس النيابة العامة ومن سيحاسبه عن السياسة الجنائية بدلا من وزير العدل، وبدأ التهويل من سلطة القضاة واتهامهم بالتغول، متناسين عن عمد أننا أولا أمام مؤسسة الوكيل العام لدى محكمة النقض، التي تعبر عن اختيار وتعيين ملكي سام بناء على مواصفات وشروط ومسار يكفل كافة الضمانات الشخصية والمعنوية، لأداء هذه المهمة بكل مهنية وموضوعية وأخلاق وتجرد ومسؤولية، ثم ثانيا نحن أمام بلد يتوفر على ميكانيزمات دستورية وقانونية متعددة، تضمن أداء النيابة العامة لأدوارها الجديدة في إطار المسؤولية والمحاسبة، ثم ثالثا نحن أمام أسرة قضائية مطوقة بكثير من الالتزامات والضوابط القانونية والأخلاقية وأفرادها يكونون دائما محل مساءلة ومحاسبة من قبل المجلس الأعلى للسلطة القضائية منعا لأي تجاوز أو انحراف، لكن البعض للأسف يختبئ وراء مبررات متجاوزة للنيل من الثقة الواجبة في القضاء، ومن أجل الإبقاء على أوضاع أقل ما توصف به أنها أصبحت مرفوضة من قبل المجتمع بكامله.
إذا كنا نؤمن فعلا بالديمقراطية والتشاركية فقد استنفدنا طيلة السنوات الماضية كل آليات الحوار والتشاور، وإذا كنا نؤمن بإرادة المجتمع، فقد عبر عنها عند وضع الدستور وعكسها نوابه عند مناقشة القوانين التنظيمية في البرلمان بغرفتيه. وقبل كل هذا فقد عبرت عنها هيأة الإنصاف والمصالحة التي تمت دسترة توصياتها والجمعيات الحقوقية والأحزاب السياسية في مذكراتها التي طالبت برفع السياسي عن كل ما هو قضائي.
فكفى من إهدار الوقت وليتعبأ الجميع من أجل إرساء عدالة ناجعة لفائدة المواطنين.

< كيف ترون مستقبل النيابة العامة في ضوء هذه المتغيرات؟
< لابد من التنويه من الناحية المنهجية بالمذكرة التقديمية التي استهلت بها وزارة العدل هذا المشروع، لأنها وضعت الإطار العام والأهداف المرجوة منه بكل وضوح.
وكل مراقب موضوعي يمكنه أن يستشف دون كثير من الجهد والعناء أننا أمام نص يراد منه فقط تطبيق قواعد الحكامة في تدبير هذه المرحلة التي تقتضي تمكين رئاسة النيابة العامة من إطار قانوني وتنظيمي وتوفير إمكانات مادية وبشرية حتى تستطيع الاضطلاع بأدوارها المحددة دستوريا وقانونيا وفق المنظور الذي رسمه جلالة الملك بمقتضى تعيينه للوكيل العام لدى محكمة النقض.
إن القراءة المتأنية لمقتضيات هذا المشروع توضح أن ضرورة الانتقال السلس للصلاحيات والسلط هو التنزيل السليم لمؤسسة رئاسة النيابة العامة التي تقتضي وضع إطار واحد بصياغة واضحة بدلا من تشتت النصوص الذي يثير الارتباك ويمس بالأمن القانوني الواجب. إن المرحلة الآن تلزم بتوضيح موقع كل جهة وصلاحياتها وحدودها بكل شفافية في إطار من التعاون البناء وفقا لقواعد الحكامة والمسؤولية. إن أي نص قانوني مهما بلغت دقته سيبقى دائما محل انتقاد وملاحظات لتجويده وتطويره، لكن الأكيد أن هذا المشروع يبقى آلية أساسية وضرورية لإنجاح هذه المرحلة وإعطاء انطلاقة جيدة لهذه المؤسسة التي تنتظرها تحديات مجتمعية كبرى.
(*) نائب رئيس الودادية الحسنية للقضاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى