fbpx
بانوراما

مدونة الأسرة لا تخالف الشريعة

نقد الفكر الفقهي

10

يعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية والفقيه القانوني، من بين المفكرين الذين جمعوا ما بين نظريات القانون الوضعي ومبادئه وأصول الفقه الشرعي، له سلسلة من وجهات النظر التي تناول فيها عددا من القضايا المعاصرة المطروحة على الفكر الفقهي. ويطرح المفكر المخضرم العديد من الأسئلة، المحرجة في بعض الأحيان، حول أسباب جمود الفقهي وتعليق الاجتهاد، ويتساءل في بعض وجهات نظره لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها، ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لها؟ تحاول “الصباح” في حوار مع المفكر أحمد الخمليشي، سينشر عبر حلقات، تقديم أهم ما جاء في نقده للفكر الفقهي.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي

< هل بالفعل جانبت بعض التعديلات التي أدخلت على مدونة الأسرة نصوص الشريعة مثل الإقرار بإلحاق الابن بأبيه خلال فترة الخطوبة؟
< يجب التذكير، أولا، أن المدونة تم تقريرها بإجماع المؤسسة الدستورية المتمثلة في البرلمان، وينبغي، في هذا الباب، العودة إلى ما قلته في الحلقة السابقة بأن ما تقرره المؤسسة الدستورية يجب الإذعان له، قد أكون غير موافق على بعض الأحكام وأنتقدها، ولكن من الناحية الانضباطية والسلوكية يجب أن أخضع لها. ثانيا إن الادعاء بوجود أحكام مخالفة يحتاج إلى إثبات. قد تكون هناك مخالفة آراء فقهية وهذا صحيح.
وإذا رجعنا إلى المثال الذي ذكرته في السؤال، المتعلق بالحمل خلال الخطبة، نجد أولا، أن الشروط الواردة في المدونة لهذا الإلحاق تفيد تراضي الطرفين واتفاقهما عل عقد الزواج بالإيجاب والقبول مع إشهار ذلك بين أسرتيهما على الأقل، وهنا نكون في الواقع أمام زواج غير موثق وليس أمام حالة زنا وفساد.
ثانيا، في الفقه رأي قديم جدا يقول بإثبات النسب إلى الزاني متى اعترف به، فلا وجود لنص قطعي الثبوت والدلالة يؤكد أن النسب لا يكون إلا مع عقد الزواج القانوني أو الشرعي. فالنص العام يقول "ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين"، ومن ناحية الاجتهاد والتطبيق، نجد الرأي القائل بنسب الطفل إلى الزاني يرجع إلى عهد التابعين، مثل سلمان بن ياسر وعروة بن الزبير، ابن أخت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والحسن البصري، هؤلاء كلهم يقولون إن الزاني إذا اعترف يلحق به الولد، ويقول بالرأي ذاته، أيضا، أصحاب المذاهب القديمة والمندثرة، مثل إسحاق بن راهوية وعلماء آخرين مثل ابن القيم الجوزية في زاد المعاد ومحمد رشيد رضا في تفسيره.

< لكن المشهور لدى كل المذاهب أن الولد لا ينسب للزاني، أليس كذلك؟
< بالفعل هناك رأي آخر، وهو المشهور عند كل المذاهب، الذي يقول إن الولد لا ينسب للزاني. لكن لماذا؟ الجواب هو انعدام وسيلة قضائية لإثبات هذا النسب، ولذلك لما كانت علاقة البنوة ثابتة ماديا بالنسبة إلى الأم لأنها تحمل بالجنين وتلده ألحقوه بها، فما الفرق بينها وبين الأب؟ كلاهما زان. ويؤكد هذا ما كانت تنص عليه مدونة الأحوال الشخصية في المادة 83، من أن ابن الزنا يلحق بالأم مثل الابن الشرعي "لأنه ولدها"، أي لأن العلاقة البيولوجية بينهما ثابتة بالولادة. وما دامت لدينا، حاليا، وسيلة لإثبات هذه العلاقة البيولوجية بين الأب والابن بالتحليل الجيني، فعلى ماذا يستند الرأي الذي يفرق بين الأم والأب حتى بالنسبة إلى الفقه الإسلامي ككل؟

< فما هي الأسباب التي يستند إليها من يرفض إلحاق ابن الزنا لأبيه؟
< إن السبب الذي استند إليه كل من يقول بعدم نسبة ابن الزنا لأبيه هو عدم وجود وسيلة للإثبات. والقاعدة القضائية تقول إن القاضي لا يستمع إلى الوقائع المخالفة للأخلاق، إذ لا يمكن أن يستدعي الزاني ويسأله متى زنا بها وهل كان ذلك قبل تسعة أشهر أو بعدها وما إلى ذلك من الأسئلة، وهذه قاعدة معمول بها في قضائنا وحتى في القضاء الأجنبي.
لذا عندما نقول إن نسبة الطفل إلى الخطيب في فترة الخطبة مخالف للشريعة، يبدو غريبا حقا ولا مستند له، وحتى في حالة الزنا يجب عدم حرمان الطفل من نسبه، وارتكاب الجريمة يجب أن يعاقب عليها الجاني وليس الطفل، الذي لا ذنب له في الواقعة، ولا مبرر لحرمانه من النسب، بألا يلزم الابن، مثلا، بالإنفاق عليه ، ولكن لا مبرر معنى لإعفاء الأب من آثار تصرفاته ونقول له ما دمت زانيا لا تنفق على الولد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى