fbpx
بانوراما

هكـذا نزلـت النصـوص

نقد الفكر الفقهي
يعتبر أحمد الخمليشي، مدير دار الحديث الحسنية والفقيه القانوني، من بين المفكرين الذين جمعوا ما بين نظريات القانون الوضعي ومبادئه وأصول الفقه الشرعي، له سلسلة من وجهات النظر التي تناول فيها عددا من القضايا المعاصرة المطروحة على الفكر الفقهي. ويطرح المفكر المخضرم العديد من الأسئلة، المحرجة في بعض الأحيان، حول أسباب جمود الفقهي وتعليق الاجتهاد، ويتساءل في بعض وجهات نظره لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها، ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لها؟ تحاول “الصباح” في حوار مع المفكر أحمد الخمليشي، سينشر عبر حلقات، تقديم أهم ما جاء في نقده للفكر الفقهي.
أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي
الحلقة 6
< كيف يتم تنزيل النصوص العامة على الجزئيات في مختلف المذاهب الفقهية؟
< الكليات، كما يؤكد الشاطبي، يستوي جميع العقلاء في فهمها على الجملة، ولذلك فإن تنزيلها على الجزئيات ـ وهو معظم الفقه ـ تؤسسه كل المذاهب على التعليل العقلي والمنطقي، ويتجلى ذلك في ضرب المتهم أو سجنه أو تهديده بذلك لحمله على الاعتراف بالجريمة المتهم بها.
يرى مالك جواز استعمال العنف مع المتهم وتهديده به لحمله على الإقرار بالجريمة المتابع بها. بينما يذهب أبو حنيفة إلى منع ضرب المتهم لحمله على الإقرار وإنما على المدعي أن يثبت ادعاءه، علما أن مالكا يؤكد أن المتهم لا يؤاخذ باعترافه الناتج عن تعنيفه أو تهديده بالعنف. فقد ورد في المدونة « فإن ضرب وهدد فأقرّ، فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق، أيقيم عليه الحدّ فيما قد أقرّ به أم لا وقد أخرج ذلك؟ (قال) لا أقيم عليه الحد إلا أن يقرّ بذلك آمنا لا يخاف شيئا «.
وتعليل الرأيين المتعارضين نجده عند الغزالي والشاطبي، فالأول الذي ينتصر لرأي أبي حنيفة يقول إن قال قائل إن المصلحة داعية إلى الضرب بالتهم في السرقة والقتل وما يجري خفية وغيلة فإن الجاني لا يقر على نفسه مختارا، وإقامة الحجج والبينات على الاختزال الجاري في ظلام الليل ممتنع وتعطيل الحقوق لا سبيل إليه… قلنا هذه المصلحة غير معمول بها عندنا، وليس لأنا لا نرى إتباع المصالح ولكن لأنها لم تسلم من المعارضة بمصلحة تقابلها.

< كيف ذلك؟
< إن الأموال والنفوس معصومة وعصمتها تقتضي الصون من الضياع، وإن من عصمة النفوس أن لا يعاقب إلا جان، وأن الجناية تثبت بالحجة، وإذا انتفت الحجة انتفت الجناية، وإذا انتفت الجناية استحالت العقوبة فكان في المصير إلى الضرب نوع آخر من الفساد، فإن المأخوذ بالسرقة قد يكون بريئا، والهجوم على ضربه تفويت لحق عصمته ناجزا لأمر موهوم يرجع إلى التشوف إلى تأكيد عصمة المال. فإن كانت مصلحة صاحب المال في ضربه رجاء أن يكون هو الجاني فيقر، فمصلحة المتهم في ترك الإضرار به، وليس أحدهما برعاية مصلحته أولى من الآخر فوجب الوقوف على جادة الشرع بتطبيق مبدأ لا عقوبة إلا بجناية، ولا تثبت الجناية إلا ببينة.
بينما يرى الشاطبي أنه إذا لم يكن الضرب والسجن بالتهم لتعذر استخلاص الأموال من أيدي السراق والغصاب، إذ يتعذر إقامة البينة… فإن قيل هذا فتح باب تعذيب البريء، قيل في الإعراض عنه إبطال استرجاع الأموال،
بل منع التعذيب أشد ضررا، إذ لا يعذب أحد لمجرد الدعوى بل يتم ذلك عندما تقوم قرائن تحيك في النفس وتثير في القلب نوعا من الظن، فالتعذيب في الغالب لا يصادف البريء وإن أمكن مصادفته فتغتفر…
يتأكد من هذا المثال أن تنزيل النصوص العامة أي كليات الشريعة على الوقائع الجزئية ـ وهو القسم الأكبر من الفقه ـ تؤسسه كل المذاهب على ترجيح ما في الحكم من مصلحة أو مفسدة وهو عمل عقلي صرف ليس مرتبطا بنظرية إيديولوجية يتمسك بها هذا المذهب أو ذاك كما في المدارس الفكرية القديمة منها والحديثة.

< ما هي الفكرة الأساسية التي يمكن استنتاجها من الأمثلة التي سقتها في ما يتعلق باختلاف المذاهب؟
< إن الهدف من الإطالة بهذه الأمثلة هو التأكيد على أن تفسير نصوص الشريعة ليس مرتبطا بأسرار عصيّة عن الفهم والإدراك العاديين، وهو ما يفرض إعادة النظر في ثنائي: الاجتهاد والتقليد. وأن اختلاف آراء المذاهب الفقهية في عدد من الأحكام أمر عادي فرضه تفاوت الأفراد في تقدير وقائع الحياة وما يحيط بها من ملابسات، فهي لذلك يمكن أن توصف بالصواب أو الخطأ وليس بالحق أو الباطل. كما أن تعدد آراء الأفراد في الواقعة نفسها، يفرض التمييز بين إبداء الرأي الذي يملكه كل من أنس من نفسه القدرة عليه، ولا يلزم هذا الرأي أحدا، وبين التقرير الملزم الذي يتعين أن يتم بوسيلة متوافق عليها تحقيقا للتعايش السلمي، وضمانا للاستقرار الاجتماعي. و بناء أحكام الشريعة على مقاصد وقيم عليا لخير البشرية، يفرض على كل جيل إعادة قراءتها، لتبقى تلك الأحكام محققة للأهداف والغايات المقصودة من تشريعها. وأن تفسير نصوص الشريعة يتأثر يقينا بملابسات الواقع، وهو ما يفرض تجديده باستمرار مسايرة لتغير هذه الملابسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى