fbpx
حوادث

دراسة: الشراكة المهنية للعدول ضمن إصلاح منظومة القضاء (1/4)

في دواعي إنشاء المكاتب الموحدة والهيأة الوطنية للعدول تضع اللبنة الأولى للشراكة

تعتبر مهنة التوثيق العدلي، أو خطة العدالة مهنة حرة، من أشرف المهن القانونية المنظمة. وباعتبارهم من مساعدي القضاء، يساهم العدول في توفير العدالة الوقائية ويشاركون الجهاز القضائي في تحقيق العدل من خلال ما يهيئونه من وسائل الإثبات التي بها يتمكن القضاء من فض النزاعات والفصل في الخصومات .

كانت المهنة وما يزال تخضع لثنائية التلقي، ما فرض على العدول مزاولة مهنتهم داخل مكاتب تضم عدلين على الأقل مع مراعاة وجوب تعيين كل منهما في المكان نفسه، غير أن ذلك لا ينفي إمكانية مزاولة المهنة في مكتب موحد يضم كل عدول القسم التوثيقي، أو جلهم، علما أن العمل في شكل جماعي ليس خاصا بمهنة التوثيق العدلي، بل سبقتها إلى هذه الشراكة مهن أخرى، مثل مهنة الطب ومهنة المحاماة اللتين قطعتا مراحل مهمة من التنظيم العملي والقانوني للشراكة.
وأسباب لجوء العدول للممارسة الجماعية لمهنتهم متعددة ومختلفة هناك:

أولا: الدوافع الاقتصادية
لمواجهة المنافسة الشرسة التي يعرفها قطاع التوثيق عامة، اشترك العدول في ممارستهم للمهنة مع مجموعة من الفعاليات الأخرى الناشطة في الميدان كالموثق العصري والمحامي والكاتب العمومي، أو الحد من التهافت على الشهادات الذي قد يدفع بعض العدول إلى التنازل عن بعض أتعابهم القانونية لفائدة غير العدول الممارسين معهم، وقبول العمل بأقل مما هو مخول لهم قانونا.
هناك أيضا الحاجة إلى التغلب على التكاليف والنفقات، خصوصا بالنسبة إلى الممارسين الجدد، فضلا عن التكاليف الأخرى التي يتطلبها إعداد المكتب وتجهيزه، سيما بعد الدعوات التي تقودها الهيأة ومجالسها الجهوية من أجل حث العدول على نبذ العمل بالأسواق الأسبوعية والدكاكين والأماكن العمومية وتعويضها بشقق تليق بشرف المهنة ومكانتها.

ثانيا: الدوافع الاجتماعية
مهنة التوثيق العدلي مرتبطة أشد الارتباط بأخلاقيات قواعد اللياقة والأدب التي ينبغي أن تسود العلاقة بين العدل وشركائه في المهنة. وممارسة المهنة جماعة في إطار شراكة يعطي معنى لهذه الأخلاقيات. إذ من المظاهر الأساسية التي تبلورها أن العدول فيما بينهم إخوة بكل ما تحمله كلمة الأخوة من معاني الاحترام والتضامن والتكافل.
ومن تجليات هذه المعاني في المكاتب الموحدة أنها وفرت لكل عدل دخلا محترما يصون كرامته وعرضه ومروءته، ويجعله قادرا على القيام بمهامه ملتزما بأدبياتها متعففا عن قول الزور والعمل به.
ومن مظاهرها أيضا أنها وفرت للعدول جوا من التضامن يتمثل بالخصوص في إعالة المريض منهم ومؤازرته ماديا ومعنويا، وتعزية أهالي المتوفين منهم. والأخذ بيد المبتدئين منهم والتخفيف عن المتقدمين منهم سنا، كما تتمثل في إشاعة جو من إسداء النصح والإرشاد من أهل الخبرة منهم  لناقصيها ومن القدامى منهم للمبتدئين في جو من التقدير والاحترام والاعتراف بالفضل لأهل الفضل منهم.
وتجدر الإشارة بهذه المناسبة، إلى أن تعميم العمل بالمكاتب الموحدة بتراب استئنافية سطات قد مكن جميع عدول من الاستفادة من التغطية الصحية. والجهود متواصلة لاستفادتهم أيضا من التقاعد والتأمين على مخاطر المهنة.

ثالثا: الدوافع المهنية
إن العمل بالمكاتب الموحدة يمكن أن يكون آلية قانونية مهمة إذا ما تم استثماره وتعهده بالتنظيم الجيد، في تأهيل المهنة وتطويرها لمواجهة التحديات المطروحة مهنيا.
وهم يزاولون مهامهم جماعة، حري بالعدول، بصفتهم موظفين عموميين من نوع خاص بالنظر إلى ما يقدمونه من خدمة ذات نفع عام والى ما يوفرونه من أمن قانوني ووقاية من المنازعات التي تثقل كاهل الجهاز القضائي، الرقي بمستوى الوثيقة العدلية شكلا ومضمونا، معنى ومبنى استجابة لتطلعات إصلاح جهاز القضاء.
ولحساسية هذا المركز القانوني للعدول وخطورته كان لزاما عليهم وهم يعملون جماعة التحري الشديد في تلقي الشهادات وتحريرها، والاستشارة في الملفات المستعصية منها من جهة ما يوافقها من التنظيم الفقهي والقانوني، مستعينين بقضاة التوثيق التابعين لهم، ومسايرين، في أدوات عملهم، لمستجدات العصر داخل مكاتب حديثة ذات أرشيفات منظمة تحفظ حقوق الزبائن.
وللوصول إلى الغاية، يستوجب على العدول والهيآت المنظمة لهم وبتعاون مع الوزارة الوصية، النظر بجدية في مسألة التكوين المستمر للعدول عن طريق إنشاء معهد لتكوين العدول، تكوينا لا يقتصر على فترات التمرين التي يمر منها العدل المتمرن قبل تعيينه، بل تكوين مستمر ملازم للعدل يمكنه من رفع مستوى أدائه وتطوير وتحديث أساليب عمله، إضافة إلى العمل على تنظيم ندوات وأيام ولقاءات علمية .
في المحصلة، إن مجمل ما ذكرناه من آليات التطوير يهدف إلى إعطاء الوثيقة العدلية قيمتها التي تستحقها وإضفاء المصداقية اللازمة على المكاتب الموحدة للعدول تمكنهم مستقبلا من المطالبة بمسك ودائع المتعاقدين المالية وفق ضوابط قانونية على غرار باقي المهن الأخرى، تدعيما لدورهم في استقرار المعاملات المالية ولتقوية حجية الوثائق الصادرة عنهم، خصوصا إذا علمنا أن معظم البيوعات الخاضعة لبعض الضرائب كضريبة الأرباح العقارية لا يستطيع العدل متابعة إجراءاتها جبرا على البائع إلى حين تسوية مستحقات الضريبة وطمأنة المشتري على سلامة ما اشتراه وبراءته من جميع الضرائب المرتبطة به الشيء الذي ينقص إلى حد ما من أهمية اللجوء إلى العدول لإبرام مثل هذه البيـــــــــوعات.

بقلم: ذ: رشيد عسعوس: عدل بدائرة محكمة الاسئناف بسطات

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق