ربورتاج

غزوة الكتب لساحة السراغنة بالبيضاء

معرض المطبوعات المستعملة يستقطب جمهورا خاصا يبحث عن “همزات” بين الركام

اختتمت، أخيرا، بالبيضاء، فعاليات الدورة العاشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل، بساحة السراغنة بالدار البيضاء.
وحملت هذه الدورة، التي تنظمها الجمعية البيضاوية للكتبيين ونادي القلم المغربي والجمعية الوطنية للكتبيين بالمغرب، بدعم من وزارة الثقافة، شعار: “ثقافات المغرب الإفريقي”.
وامتدت فعاليات المعرض إلى غاية 30 أبريل الماضي، ببرنامج ثقافي وأدبي حافل يتضمن تقديم وتوقيع عدد من الدواوين والكتب والمجموعات القصصية. كما يتضمن تكريم عدد من الكتاب والأدباء المغاربة.

إنجاز: عزيز المجدوب

“الساحة” هكذا يختصر البيضاويون اسمها، بينما تختصر هي عقودا طويلة من تاريخهم. لهذا الفضاء خصوصيته، فهو القلب النابض لدرب السلطان أحد أعرق الأحياء الشعبية للبيضاء وملتقى لعدد لا حصر له من النماذج البشرية التي تقودها الظروف إلى اجتيازها أو ارتيادها، إما طوعا أو كرها.
أما المتيمون بصخبها وعبقها الشعبي، فهم كثر أيضا، منهم من يختار الانزواء في المقاهي المؤثثة لجنباتها لمراقبة الخلق وحركة السير، والاستمتاع بلحظات خاصة لا يوفرها إلا الضجيج الذي يملأ المكان. ومن قال إن الضجيج لا يخلق المتعة فليزر الساحة ويجلس تحت “أقواسها” التي ترفع منسوب الحميمية في النفس، وهناك يأتيه الخبر اليقين.
إنها الساحة التي كانت شاهدة على جل التحولات التي عرفها مغرب ما بعد الاستقلال، فهي تتقاطع في مدخلها الغربي مع واحد من أعرق الشوارع البيضاوية وأكثرها حركية، هو شارع “الفداء”، الذي كان يسمى خلال عهد الحماية “بولفار السويس”، واستمد اسمه الحالي من حركة المقاومة المسلحة التي عرفت معظم خلاياها، ولادتها الطبيعية على ضفاف الأزقة المتفرعة عنه والتي تشكل ذلك الكل الذي يسمى “درب السلطان”.
وكان شارع الفداء، في مقابل ذلك أيضا، مسرحا لأعنف الانتفاضات الشعبية التي عرفها المغرب المستقل بدءا ب23 مارس 1965 مرورا بيونيو 1981 وغيرها.
أما الوجه الآخر للساحة ولرحم الدرب السلطان فهو إنجاب العديد من الأسماء الفنية والأدبية التي أغنت المشهد الثقافي والفني، منها من رأى النور هناك فعلا ومنها من انتسب إليها شغفا وحبا.
أسماء من قبيل محمد الحياني ونعيمة المشرقي وثريا جبران وعبد العظيم الشناوي وعبد اللطيف هلال والأخوين البدوي ومحمد التسولي والزعري والداسوكين وعاجل عبد الإله وصلاح بوسريف والراحل الحسين حوري وعائد موهوب وشفيق السحيمي ونعيمة سميح ورجاء بلمليح ومبارك ربيع واللائحة عصية على الحصر.
بعض هذه الأسماء رحل وبعضها الآخر أبعدته سبل الحياة عن ارتياد “درب السلطان” وفضاء الساحة، بينما البعض الآخر ما زال الحنين يستبد به لزيارتها، وارتياد مقاهيها التي احتضنت في ما قبل صخب نقاشات أشهر المثقفين البيضاويين، وفيها كان ينزل طيف الحلاج على المجنون به المرحوم الحسين حوري حتى أخذه معه، أما اليوم فأكثر رواد هذه المقاهي شباب صارت تلهيهم “مناقرات البارصا والريال” عن الإحساس بطعم الساحة.

لكل “ورقة كيالها”

في الحديقة التي تتوسط ساحة السراغنة حط “الكتبيون” خيامهم البيضاء، التي استندت على الأشجار المحيطة بالساحة وشكلوا مستطيلا أبيض ذا مدخلين.
اكتسحت الكتب الساحة من كل جانب، وكُتب لبعضها أن ينبعث من رقاده في مخازن الكتبيين، ويعاود الإطلال من جديد على عشاق “الورق الأصفر”.
تختلف طرق عرض الكتب من “خيمة” إلى أخرى، أما العناوين فقد يصاب المرء بالدوار إن حاول أن يجد رابطا بينها، فمن “صحيح البخاري” إلى “كيف  تكسبين زوجك” مرورا بروايات ومؤلفات بلغات عديدة منها حتى الروسية والعبرية والفارسية، وعناوين كتب “غابرة” قد تتساءل من يقرؤها؟ لكن لكل “ورقة كيالها”. أما الزوار فمن مختلف الأعمار والفئات والطبقات الاجتماعية، لا يجمعهم في هذه الرقعة من الدار البيضاء سوى الشغف والفضول لسبر أغوار ومجاهل ركام الكتب التي اختار بعض العارضين إنزالها من الرفوف وعرضها على “فرّاشات”.
أما الأثمنة فتنطلق من درهمين إلى أن تتجاوز 500 درهم، بعض العارضين فضل تعليق لافتة حدد فيها ثمن كل رواق موفرا بذلك على نفسه وعلى المقتني عناء المساومة وتبعاتها، بينما آخرون فضلوا جعل ثمن الكتاب خاضعا لنوعيته وقيمته.

روح الشرايبي بالساحة

على عادتها كل دورة، تفتح الدورة العاشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل، خلال أبريل، الأبواب لأزيد من 300 من الأدباء المغاربة في مختلف الأصناف، مع إعطاء الأولوية للشباب من الأدباء الذين يشقون طريقهم بوعي ومسؤولية في مجال الثقافة.
ومعلوم أن جميع الأنشطة الثقافية، ستنعقد في خيمة كبيرة، تحمل هذه السنة اسم الكاتب المغربي الكبير إدريس الشرايبي، وسط المعرض الذي اختار مكانه بساحة السراغنة بدرب السلطان الفداء، وهي ساحة شعبية مفتوحة على أحياء تاريخية شهيرة بالدار البيضاء (درب الطلبة والشرفاء وكريكوان ودرب الفقراء وبوشنتوف.
يسهر علـــى كافــة الأنشطـــة الثقـافيــة فريق من الفـــاعلين الشباب، مثقفــين وأدباء وتلاميــذ وطلبــة وباحثين، تحت إشراف طاقــم مـن نـــادي القلــم المغربي ومختبـــر السرديات بتنسيق نادي الكتاب وجمعيــة الأعمال الاجتماعيــــة والثقـــافيــة والرياضية لدرب السلطــان، والجمعيـــة المغربية لمساندة الأسرة، ونادي البذرة الخضراء، ورابطة قــدماء تلاميذ الدار البيضاء ومرصد أطلنتس الدولي للسلام و الدبلوماسية الموازية وجمعية المغرب.الجديد، ومؤسسة الموجة الثقافية.
فــي ما يخص المعــرض، فــإن عـــدد العارضين مــن الدار البيضــاء ومدن أخرى يتجاوز 60 كتبيــا هيــؤوا هــذه السنـــة أكـثر مــن أربعمائــة ألف عنــوان من مختلف الأصناف بأثمنة زهيدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق