fbpx
ملف عـــــــدالة

الموساوي: جرائم رمضان قد تكلف غاليا

المحامي والباحث القانوني اعتبر تقصير الدولة وشركائها في برامج الوقاية والتحسيس ساهم في ارتفاع الإجرام

يرى الأستاذ رشيد الموساوي، المحامي بهيأة الرباط والباحث في الشؤون القانونية، أن شهر رمضان بالذات ينفرد بارتفاع مهول في جرائم الاتجار والحيازة والاستهلاك للمخدرات
والعنف والضرب والجرح والسرقة والنصب وخيانة الأمانة وحوادث السير وإصدار شيكات بدون رصيد والفساد والخيانة الزوجية

والاختطاف
والاغتصاب وإهمال الأسرة والعنف ضد النساء والسب والقذف والشتم والتهديد. وقال الموساوي إن هذه الحالات غالبا
ما تتسبب فيها «الترمضينة» والفهم الخاطئ للصيام وللشريعة الإسلامية.

لماذا ترتفع الجريمة في شهر رمضان بالذات عكس باقي الشهور…هل الأمر مرتبط بما يصطلح عليه شعبيا «الترمضينة»، أم أن هناك خلفيات أخرى؟
أولا: يمكن أن نقول إن الجرائم بصفة عامة ارتفعت بشكل مهول خلال العقدين الأخيرين لأسباب متعددة في مجملها ذات دوافع اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية.
ثانيا: أن شهر رمضان بالذات ينفرد بارتفاع مهول بالنسبة لجرائم الاتجار والحيازة والاستهلاك للمخدرات بكل أنواعها والعنف والضرب والجرح بكل أشكاله والسرقة والنصب وخيانة الأمانة وحوادث السير وإصدار شيكات بدون رصيد والفساد والخيانة الزوجية والاختطاف والاغتصاب وإهمال الأسرة والعنف ضد النساء والسب والقذف والشتم والتهديد، وهذه الحالات غالبا ما تتسبب فيها الترمضينة والفهم الخاطئ للصيام وللشريعة الإسلامية. أما قضايا الإفطار علنا في شهر رمضان فهي نادرة أمام المحاكم، فيما تزداد قضايا الطلاق والتطليق للشقاق والرجوع لبيت الزوجية بالنسبة لمحاكم الأسرة، وغالبا ما ترتبط هذه القضايا بأمور جنحية أو جنائية بسبب «الترمضينة».

يلاحظ المتتبع أن هناك جرائم معينة تنتشر في شهر رمضان بعينه خلافا لباقي أشهر السنة مثلا، إذ تعرف تجارة المخدرات انتعاشا كبيرا، وهو الشأن نفسه بالنسبة إلى جرائم السرقة بالعنف… أين يكمن الخلل بالضبط؟
جرائم الاتجار في المخدرات مثلا تنتعش خلال شهر رمضان لوجود نسبة كبيرة من المغاربة الذين اعتادوا خلال باقي أشهر السنة تناول الخمور، إذ يلجأ معظمهم إلى التعاطي لبعض أنواع المخدرات المتوفرة بالسوق، لأن الحانات ومحلات بيع الخمور تغلق أبوابها خلال الشهر الفضيل، كما أن هناك اعتقادا خاطئا لدى هؤلاء وغيرهم، بأن الخمر محرم وأن باقي المخدرات غير ممنوعة شرعا سواء خلال رمضان أو باقي الأشهر.
وللعلم، فإن آثار الخمور تظهر بسهولة على الأشخاص الذين يتعاطونها، ويكتشف أمرها بسهولة خلال رمضان، في حين أن تناول المخدرات بكميات متوسطة وقليلة لا يتم الكشف عنه من خلال المظاهر الخارجية للمدمن بسهولة، وهذا بالطبع يضاف إلى كثرة ووفرة المواد المخدرة وتنوعها وسهولة الحصول عليها في كل مكان وفي كل نقطة جغرافية وسكنية وبأثمنة في متناول الجميع والتي تتراوح أثمنتها بين درهمين و500 درهم أو ألف درهم حسب الوضعية الاجتماعية للمدمن ومدخوله وحسب نوعية المخدر من السلسيون إلى السيراج والدوليو إلى الكيف والحشيش والشيرة والمعجون والقرقوبي وباقي الأقراص المهلوسة والكوكايين وغيرها من أنواع المخدرات. أما جرائم السرقة واستعمال العنف والضرب والجرح، فإنها تكون أساسا بهدف الحصول على المال واقتناء المخدرات والتعاطي للفساد.
أما بالنسبة إلى الضرب والجرح والعنف بكل أشكاله فهو ناتج عن «الترمضينة» وعدم تناول المخدرات خلال الفترة التي تسبق أذان المغرب. ولهذا فالخلل في البنيات الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع وفي الفهم الخاطئ للصيام الذي يتمثل لأغلبية المواطنين في الإمساك عن الطعام فقط دون باقي الشعائر والمعاملات الدينية. وأيضا بسبب العدد الهائل من العاطلين عن العمل داخل كل أسرة وتفاقم أزمة التعليم والتربية.
وبسبب عدم وجود برامج لمحاربة آفة الجريمة على مستوى أنشطة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من خلال خطب الجمعة ومن خلال الدروس الدينية داخل المساجد وخارجها خلال شهر رمضان أو باقي أشهر السنة، علما أن الدولة والجماعات المحلية والجمعيات لا تنظم برامج للوقاية من الجريمة سواء خلال الشهر المبارك أو قبله أو بعده.
هذا بالطبع مع استثناء ما يقوم به جلالة الملك نصره الله من خلال المشاريع الاجتماعية بفتح مراكز لعلاج وإيواء الأشخاص المدمنين وعلاجهم وإدماجهم من جديد في المجتمع. وأعتقد أن هذا النوع من المشاريع ينبغي تعميمه على جميع المؤسسات التربوية والتعليمية، وأن تنخرط فيه الحكومة والجماعات المحلية والجهات والجمعيات وكل ذوي الاختصاص.

كيف يتعامل الأمن والقضاء مع جرائم رمضان، خصوصا في حالة عديمي السوابق والنزعة الإجرامية؟
بالنسبة إلى جرائم المخدرات فإن القضاء غالبا ما يصدر أحكاما بالحبس النافذ في قضايا الاتجار في المخدرات بمجرد تقديم أشخاص من طرف الضابطة القضائية التي تحرر لهم محاضر اعتراف. أما في حالات السرقة بالعنف ففي غالب الأحيان عندما تقدم الضابطة القضائية المتهمين ويعترفون بتعاطيهم لهذا النوع من الجرائم، فإن الأحكام أيضا تكون نافذة بالحبس أو السجن اللهم إذا كان الفاعل لا زال حدثا صغير السن وعديم السوابق القضائية أو يتابع دراسته أو يزاول تكوينا مهنيا أو حرفيا.

ما هو السبيل إلى القطع مع ارتفاع الجريمة في رمضان خصوصا تلك المتعلقة بالسرقة والاتجار في المخدرات والقتل؟
للحد من ظاهرة ارتفاع الجريمة خلال رمضان، خاصة تلك الخاصة بالسرقة والاتجار في المخدرات والقتل، ينبغي توسيع نشر التوعية بين الشباب من خلال الدروس الدينية وخطب الجمعة وبرامج الإذاعة والتلفزيون مع فتح المجال لأهل الاختصاص من قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين ومحققين قضائيين لتقديم برامج تحسيسية وقائية للقضاء تدريجيا على هذه الظاهرة الخطيرة التي تنهك الأسرة والمجتمع والدولة. كما أن مساهمة باقي وسائل الإعلام ضرورية، مثل ما تقوم به حاليا جريدة «الصباح» التي تهتم بالجرائم الرمضانية وتخصص عدة صفحات أسبوعية للتحسيس بانعكاسات هذه الآفة على المجتمع والحد من خطورتها. ومن مهام الدولة والجماعات المحلية مستقبلا أن تقوم بتسطير برامج في الموضوع من خلال النظام التعليمي والتربوي في المدارس والإعداديات والثانويات والتعليم العالي.

يلاحظ أن الكثير من أفراد المجتمع يصبحون زبائن للكوميسارية خلال شهر رمضان، ومنهم أشخاص محترمون وأشخاص لهم مواقع اعتبارية، وذلك إما بسبب الشجار أو تبادل الضرب والجرح أو ما يختصر عليه بـ «الترمضينة»؟
بالنسبة لهذا النوع من القضايا والأحداث التي تكون بسبب ما أسميتموه «الترمضينة» فإنه في غالب الأحيان ما تنتهي بالصلح بمجرد الإعلان عن أذان الإفطار وتناول ما طاب من الأطباق المتنوعة التي تعرفها موائد الأسر المغربية، أو يتم التنازل عن أي متابعة بين الأطراف أثناء جلسات الحكم، وهذا في حالة العنف اللفظي أو الشجار البسيط، لكن إذا نتج عن المشاجرة والضرب والجرح إحداث عاهات مستديمة أو عاهة معينة أو إزهاق الروح البشرية فإن «الترمضينة» تكون قاسية العواقب وتؤدي إما إلى السجن المؤبد أو السجن النافذ لسنوات طوال قد تبلغ 30 سنة.

كلمة أخيرة؟
بالنسبة إلى ظاهرة جرائم رمضان فإنه ينبغي على الجميع أن يتحمل مسؤوليته كاملة غير ناقصة. وهكذا فمسؤولية النيابة العامة والضابطة القضائية أن تحارب المخدرات من منابعها الأصلية وأماكن بيعها والاتجار فيها طيلة السنة وباستمرار وليس بحملات موسمية ارتجالية خلال الشهر المبارك، خاصة أنها تعرف أشد المعرفة أماكن ومنابع هذه التجارة المدمرة لكل الشباب وكل المدمنين سواء كانوا رجالا أو نساء وذلك لقطع الطريق على مافيا المخدرات في ترويج سمومها بين أبنائنا وفلذات أكبادنا وأبناء وطننا العزيز.
أما بالنسبة إلى مسؤولية القضاء فإنه من الواجب على السادة قضاة الحكم عندما تعرض عليهم ملفات تهم هذه الظاهرة ولا يتم فيها تقديم التجار الكبار للمخدرات أن يدققوا أكثر في المعروض عليهم حتى لا يذهب بعض الشباب ضحايا لمزايدات وملفات مطبوخة من طرف بعض عديمي الضمير ممن أسندت إليهم المسؤولية وهم غير أهل لها.
وبالنسبة إلى مهام الدولة والجماعات المحلية والمدرسة والمجتمع والأسرة ووسائل الإعلام والمنابر الدينية فإنه يتوجب عليها القيام بالدور الوقائي والتربوي والتحسيسي للمساهمة في بناء جيل جديد من الشباب يهتم بتكوينه العلمي ونشاطه المهني وشؤون أسرته ومجتمعه في الغد الأفضل والمستقبل الزاهر.
وأتمنى أن يتم من خلال الآلية الجديدة التي نص عليها دستور 2011 حول إنشاء مجلس استشاري جديد للشباب والعمل الجمعوي الاهتمام بالقضاء والحد من ظاهرة تفشي الجرائم بكل أنواعها سواء خلال رمضان أو قبله أو بعده، وإيجاد الحلول الممكنة للخروج من المأزق. ولا ينبغي أن ننسى دور الفنانين والرياضيين في محاربة آفة الجريمة، غير أن هؤلاء وجب عليهم الاستعانة بأهل الاختصاص والكفاءة القانونية وعدم الاقتصار على طرف واحد ووحيد.
إلى كل هؤلاء أتوجه لإحداث مزيد من النوادي الرياضية والفنية والإعلامية بإشراك ومشاركة الجميع وبدون استثناء، وعندئذ سيعود رمضان إلى أيامه الجميلة في زمن الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وربما أفضل من ذلك بحول الله وقوته، فهذا هو رمضان الذي نريده، وهذا هو المغرب الذي نسعى إليه، وهذا هو وطننا الذي نريد أن نبنيه جميعا وبدون استثناء، وهذا هو الدين الإسلامي المعتدل والمتسامح الذي لا مجال فيه للجريمة والعنف والقتال ولأي «ترمضينة» كما ورد في سؤالكم.

أجرى الحوار: محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى