الأولى

عبد الرحيم الهروشي..حين تتيتم المواطَنة

طبيب الأطفال الذي نذر نفسه لواجهات العمل الإنساني ومات وفي نفسه الوطن كله

لم يحتمل القلب والجسد غير عام ونيف من الألم، ظل عبد الرحيم الهروشي يقاومه بالابتسامة العريضة نفسها وسؤال مسترسل عن حراك وطن كان يوما من «موقديه» بطريقته الخاصة، قبل أن يسلم الروح إلى باريها، مساء أول أمس (الأحد)، ويودع المغرب واحدا من ألمع أطره وأبنائه، ومناضلا من طينة مغايرة، ظل، منذ أكثر من أربعة عقود، يمد أصبعه إلى الأمام كي نرى جيدا أن أشياء جميلة فـــــــينا تستحق بعض الانتباه. بلكنته المميزة المتاخمة لمغاور القلب، وبذلته الأوربية الأنيقة وربطة عنقه الأثيرة على شكل فراشة، ظل عبد الرحيم الهروشي يرسم لنفسه صورة الرجل المنذور للاختلاف والمتحضر إلى أبعد الحدود، والطبيب الذي يحمل الوطن بين ذراعيه ويطبطب عليه مثل طفل تأكل أطرافه الحمى، والمربي العضوي الذي استمر يحذرنا أن ثمة أصواتا نقية يجب أن تسمع وسلوكا راقيا ينبغي أن يُقتدى.
بعض سير الهروشي تقول إن الرجل من مواليد الدار البيضاء سنة 1944، ومنها رحل باكرا إلى فرنسا، حيث اشتعلت في رأسه فكرة استكمال دروسه الجامعية العليا بإحدى أرقى الجامعات الباريسية في مجال الطب (كوشان بور رويال بباريس) التي حصل منها سنة 1972 على دكتوراه في الطب العام، ثم على شهادة طبيب متخصص، من الجامعة نفسها، في جراحة الأطفال كانت جواز سفره للعودة، من جديد، إلى المغرب، بالضبط إلى مستشفى ابن رشد الذي كان يضم، آنذاك، جناحا صغيرا خاصا بالأطفال (الجناح7)، ومنه قاد فريقا من الأساتذة والأطباء والأطر الصحية المتخصصة الذين شكلوا النواة الأولى التي حركت أقسام مستشفى الأطفال الذي شرع يقدم خدماته، بشكل رسمي، سنة 1980.
لسبب ما، ظل الهروشي يعتبر أن كل أطفال المغرب أبناءه بالتبني، أما المرضى منهم فقد رفعهم إلى مصاف الملائكة الصغار ولم يسمح بالمس بوضعهم الاعتباري وظرفهم الخاص تحت أي مبرر، ربما لذلك حول الراحل قسم جراحة الأطفال وملحقاته ومرافقه، ثم عيادته في ما بعد، إلى مختبر للبحث العلمي والتكوين والتكوين المستمر، بدعم أصدقائه وأساتذته الفرنسيين، بموازاة الإشراف على العمليات الجراحية للحالات الخاصة التي كانت تتواصل إلى ساعات متأخرة من الليل، خصوصا جراحة سل الظهر التي كان بارعا فيها وجراحات تقويم الأطراف والعمود الفقري، إذ مازالت عشرات العائلات والأسر تحفظ له أفضاله وأياديه البيضاء على أبنائها المرضى والميؤوس من حالاتهم.
ويذكر زملاؤه بقسم جراحة الأطفال أنه أول من يرتدي وزرته البيضاء في الصباح الباكر، وبالضبط في الساعة السابعة، وآخر من يقتلعها من على ظهره مساء، بعد أن يكون قد اطمئن على سير العمل وترك خلفه فريقا مساعدا منهكا، لكن متشربا للمهنة.
أستاذ ألمعي و«طاحونة عمل»، حسب شهادات لزملائه استقتها «الصباح»، كان لابد أن تترصده عيون المناصب العليا، إذ استدعي الهروشي، نهاية الثمانيات، لقيادة كلية الطب والصيدلة بالبيضاء التي قلب مناهجها وطرق التدريس بها رأسا على عقب، ويحسب له أن أجيالا من الأطباء النزهاء والشرفاء تربت على يده، قبل أن يودع الكلية إلى مهمة أكبر وهذه المرة مؤتمنا على وزارة الصحة لثلاث سنوات (1992 و1995) كانت كافية لتتشكل لديه خلاصة أساسية أن أزمة قطاع الصحة بالمغرب ليست أزمة امكانيات، بل أزمة ضمير، مقتنعا أن معضلة أساسية يعانيها المواطنون تتعلق بالتأمين الصحي، فكانت فكرة التأمين الإجباري عن المرض التي رأت النور سنة 2005. بعد مدة قضاها في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، استدعي الهروشي يوم 8 يونيو 2004 وزيرا للتنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن، إذ أشرف على التفاصيل الدقيقة لمشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وقطع آلاف الكيلومترات من أجل شرح مضامينها وأهدافها وغاياتها الكبرى، وكأنني به وضع يده على كلمة السر التي ظل يبحث عنها منذ سنوات، ومن أجلها بادر إلى تأسيس جمعية آفاق للتوعية والتنمية التي نذرت نفسها، عبر مشاريع إعلامية وبيداغوجية خاصة، للرقي بالسلوك المواطن واعتبار المواطنة ممارسة يومية قد تتجلى في عمل مجرد بسيط، لكنه كبير في ميزان المستقبل.
رحم الله الفقيد الذي قضى في غفلة من حراكنا..وفي نفسه الوطن كله.

يوسف الساكت

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق