حوادث

دراسة:المحكمة العسكرية الدائمة بين التشريع والواقع العملي (الحلقة الثالثة)

مدونة العدل العسكري أناطت بالمحكمة العسكرية اختصاصا موسعا في الميدان الجنائي

لئن كانت المصلحة الغائية من التصديق وسند القوانين داخل المجتمع، مردها بالأساس المحافظة على استقرار السلم الاجتماعي بين مختلف مكوناته على نحو يكفل ممارسة الحقوق في إطار منظومة قانونية تستلزم، من جهة، استيفاءها كافة الشروط الشكلية والموضوعية التي يقتضيها العقد الاجتماعي، ومن جهة أخرى عدم تعارض هذه المقتضيات مع مبادئ ونصوص

الدستور باعتباره يمثل أسمى القوانين، لكونه يعكس إرادة صريحة للأفراد بمقتضى اقتراع
علني.

من هنا يبرز بجلاء مدى ملامح الطابع الاستثئنائي العسكري الذي يكتنف هذا النوع من المحاكم. فتجريد مؤسسة وكيل الملك من صلاحية تحريك الدعوى العمومية والاقتصار فقط على ممارستها بناء على استدعاء مباشر مثلا صادر عن المديرية المذكورة، يفرغ مؤسسة وكيل الملك من محتواها ويجعلها قاصرة بل وتحت نظام قد يصطلح عليه «بالوصاية».
وبالتالي، فهذا التداخل في سير الخصومة الجنائية من طرف جهازين، الأول إداري والثاني قضائي قد يؤثر سلبا على سير هذه الأخيرة وقد يمس في العمق بحقوق المتقاضين.
فالمشرع عند إسناده سلطة التحريك إلى الجهاز الأول بمقتضى الفصل 78 من مدونة العدل العسكري الذي ينص :» يكلف مندوب الحكومة بمتابعة المتهمين المحالين على المحكمة العسكرية … «، يكون قد أناط بجهاز عسكري صرف اختصاصات واسعة قد تمس أحيانا حرية وحقوق الشخص المتابع رغم أن هذه الأخيرة تبقى من اختصاص مؤسسة القضاء بمفهومها المهني الذي يعتبر في ذاته أهم ضمانة يمكن أن تصون الحريات الفردية.
وحيث أن هذه الازدواجية في سير الخصومة الجنائية تؤثر غالبا في مجرى الدعوى العمومية، على اعتبار أن وكيل الملك يجد نفسه في حكم المتلقي للتعليمات، إذ ينحصر دوره فقط في ممارسة الدعوى العمومية، ولا يمكنه الخروج عن مؤداها ولو انصرفت قناعته نحو عدم المتابعة لعدم كفاية الأدلة.
كما أن تجريد وكيل الملك بهذه المحكمة من صلاحية التحريك والاقتصار فقط على تنفيذ تعليمات الرؤساء بمديرية العدل العسكري، يصعب من مأمورية الدفاع حتى وإن طالت إجراءات البحث التمهيدي إخلالات وعيوب مسطرية وشكلية يترتب عنها البطلان.
ولما كانت مؤسسة وكيل الملك لهذه المحكمة عاجزة قانونا عن تحريك الدعوى العمومية، فإن طبيعة المهام المنوطة بهذا الجهاز تتعارض هي الأخرى بشكل كبير مع طبيعة الأفعال الجرمية خاصة تلك التي تحمل الصفة الجنائية.
فإذا كانت اختصاصات وكيل الملك لا تشمل تحريك الدعوى العمومية، فكيف له إذن أن يمارسها إذا تعلق الأمر بجناية  ؟
ولما كانت مؤسسة النيابة العامة لدى المحاكم العادية مؤسسة فاعلة لها صلاحية تحريك الدعوى العمومية بخصوص الأفعال الجنحية التي لا تتعدى مدة عقوباتها 5 سنوات، لكون الأفعال الجنائية تسند لزاما إلى مؤسسة الوكيل العام للملك، فكيف يستقيم المنطق القضائي إذن عند ممارسة الدعوى العمومية أمام المحكمة العسكرية ـ في حالة تكييف الفعل جناية ـ من طرف مؤسسة وكيل الملك بها وهي مفرغة من أهم الصلاحيات ألا وهي صلاحية تحريك الدعوى العمومية ؟
من هنا يتضح أيضا مدى تجليات عدم ملاءمة المهام المنوطة بوكيل الملك لدى المحكمة العسكرية الدائمة مع حجم وطبيعة الأفعال المسندة لهذه المحكمة خاصة إذا تعلق الأمر بجناية.
الملاحظ أن ملامح الطابع الاستثنائي، لازالت تكتنف هذه المحكمة بالرغم من كون المغرب اختار امتطاء ركب مسيرة بناء الديمقراطية عبر احترام الحقوق الفردية المتعارف عليها دوليا، وعبر إرساء وسن ترسانة من القوانين والإجراءات التي تتماشى والنهج الحداثي.
ولما كشفت الممارسة اليومية أيضا عن وجود ثغرات مرتبطة أساسا بالنصوص القانونية المنظمة بمؤسسة النيابة العامة لدى المحكمة العسكرية، فإنه بالمقابل أصبح الاقتناع راسخا بتغيير وإصلاح مدونة العدل العسكري.
ولعل إصلاح مدونة العدل العسكري بجعلها أكثر ملاءمة مع توجه المغرب الجديد، يحيلنا بالأساس على ضرورة إقرار ما يلي :تقليص هيمنة مديرية العدل العسكري ـ باعتبارها جهازا إداريا ـ على مؤسسة النيابة العامة بالمحكمة العسكرية الدائمة مع فصل اختصاصات كل واحدة، الاقتصار على تكليف مديرية العدل العسكري بما هو إداري فقط، تمكين وكيل الملك لدى المحكمة العسكرية بصلاحيات أوسع، خاصة تلك المتعلقة بتحريك الدعوى العمومية، حصر اختصاصات وكيل الملك في حدود متابعة العسكريين فقط مع حصر صلاحياته أيضا في حدود الأفعال الجرمية التي تعتبر من حيث التكييف القانوني مخالفات عسكرية بحتة، جعل المؤسسة المذكورة وكذا كل العاملين بالمحكمة العسكرية، تابعين من حيث المسؤولية القضائية إلى وزارة العدل.
بالنسبة لخرق المدونة للقواعد الشكلية: الاختصاص كنموذج :
لما كان مناط الاختصاص المكاني هو ضمان حسن سير الخصومة الجنائية من خلال تحديد قواعد ثلاث تقوم على تقريب مرفق القضاء من المتقاضين، وذلك عبر إسناد الاختصاص للمحكمة التي يقع في دائرة نفوذها الفعل الجرمي أو مكان اعتقال الفاعل أو إقامته تحقيقا للسرعة والفعالية في تصريف القضايا، فإن هذه القاعدة لا تجد مكانا لها بالمحكمة العسكرية الدائمة بالنظر إلى كونها تبقى هي الوحيدة المختصة ترابيا في النظر في كل القضايا ولو وقع الفعل في أقصى أو أدنى نقطة حدودية بالمغرب.
ومن خلال هذا الاستثناء يستشف جليا ملامح الطابع الاستثنائي الذي يقوم على السرعة. فبتمكين المحكمة العسكرية من دائرة نفوذ وطنية، يفتح الباب على مصراعيه بخصوص صعوبة الإجراءات وكذا صعوبة مراقبة وكيل الملك لأعمال الضابطة القضائية.
فإذا كان الواقع العملي قد أسفر عن عدة صعوبات تتعلق أساسا بالإشراف ومراقبة أعمال الضابطة القضائية من طرف وكلاء الملك لدى المحاكم العادية، فكيف يستقيم المنطق القضائي في حالة وجود وكيل ملك واحد مجرد من اختصاصات مهمة لدى محكمة عسكرية واحدة ذات اختصاص وطني ؟
كما أن الاختصاص النوعي عرف هو الآخر مجموعة من الاستثناءات من شأنها المساس بحقوق المتقاضين بالمحكمة العسكرية الدائمة.
ولعل الملاحظة الأولى التي يمكن تسجيلها تنصرف بالأساس إلى الطابع المزدوج لمدونة العدل العسكري التي تجمع في آن واحد بين قواعد الشكل وقواعد الموضوع، رغم بعض الإحالات التي قررها المشرع ـ محتشما ـ على قانون المسطرة الجنائية بمقتضى الفصل 94 منه.
كما أن مدونة العدل العسكري تعتبر قانونا استثنائيا بامتياز بانصرافه خاصة إلى فئة مجتمعية معينة، واعتمادها بالأساس على أحكام تختلف عن القواعد العامة المقررة بالنسبة لباقي المواطنين. غير أن أهم خاصية تمتاز بها هذه المحكمة الاستثنائية، هي تلك التي تتعلق بالتوسع في الجنايات.
فبالرغم من غياب درجتي للتقاضي، فإن المحكمة العسكرية تبقى مختصة في النظر في الأفعال الجرمية التي يرتكبها جميع الأشخاص كيفما كانت صفتهم إذا كان بينهم عضو واحد ينتمي لأسلاك القوات المسلحة الملكية، الدرك الملكي أو القوات المساعدة، سواء ساهموا بصفة أصلية أو شاركوا فيها أو ارتكبت ضد أعضاء من القوات المسلحة الملكية ( الفصل 3).    
وبذلك تكون مدونة العدل العسكري قد أناطت بالمحكمة العسكرية اختصاصا موسعا في الميدان الجنائي، بينما قلصت هذا الاختصاص في مجال الجنح الذي يبقى حكرا على المحاكم العادية في حالة ارتكاب جنحة من قبل مدنيين وعسكريين، تطبيقا لمقتضيات الفصل 8 من م.ع.ع.
ولما كانت قواعد الاختصاص النوعي للمحكمة المذكورة لها سندها القانوني والواقعي خصوصا، بالنظر لحساسية وخصوصية المؤسسة العسكرية القائمة على الانضباط والاحترام والطاعة للرؤساء، وذلك اعتبارا لأن بعض المخالفات والأفعال لا يمكن تصور وقوعها إلا داخل منظومة الجيش ( الفرار مثلا )، فإنه بالمقابل تبقى مقتضيات مدونة العدل العسكري محط انتقاد من طرف الحقوقيين والمتتبعين لتطور الاجتهاد القضائي المغربي، لأنها توسع اختصاص هذه المحكمة لتمتد ولايتها إلى أشخاص مدنيين لا علاقة لهم بالمؤسسة العسكرية.

بقلم: نعيم سبيك: دكتور في الحقوق
باحث في التشريع العسكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق