ربات بيوت متزوجات وأرامل ومطلقات يكسرن قيود العزلة ويرسمن طريق نجاحاتهن نجاح إعلان الحملة الوطنية للتضامن مع التعاونيات النسائية، الذي أطلقته هذه السنة، مؤسسة محمد الخامس للتضامن بطابع إنساني، لا يكمن فقط في إلقاء سهم الدفء في قلوب التضامن عند المغاربة، بل فتح نافذة أمل جديد لآلاف نساء الجمعيات والتعاونيات الفلاحية والصناعية في مختلف ربوع المملكة، وهن يسخن السمع لقصص مغربيات من أقصى الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وفي أعماقهن يعرفن أن هذه التجربة هي نفسها التي يعشنها ويحلمن بتطويرها. بعضهن نجح وركب الطموح باتجاه السوق الخارجية، بعد أن كسب السوق الداخلية. وبعضهن الآخر مازال يلامس طريقه للخروج من دائرة الدوار أو المدينة، للبحث عن أسواق في باقي المدن، عوض الارتهان إلى مواعد المعارض المحلية والجهوية. أما القسم الثالث منهن، وقع في فخ التفكير في الانسحاب، فخ تولى مشكل التسويق إعداده لهن بعناية، قبل أن تطالعهن ابتسامات قرويات من شاشة التلفزيون، محمولة على أنغام موسيقى روحية، لتصنع في ثوان أيادي أمل جديد انتشلتهن من هذا الفخ ووضعتهن من جديد على طريق حلم توسيع مشاريعهن الصغيرة. أحلام... "من نهار شفت الإعلان في التلفزة بديت كنحلم نوسع المشروع ديالي، ما بغيتش نوقف" تقول رشيدة هرشو، من قصر السوق بضواحي الرشيدية، وهي واحدة من 15 امرأة أسسن جمعية "سيغنيس"، لإنتاج عدة أنواع من الكسكس و"باداز" و"التشيشة البلدية" و"بركوكش"، قبل أن تعترضهن مشاكل التسويق وتدفع تسعا منهن إلى الانسحاب، فيما مازالت رشيدة وخمس نساء أخريات يتمسكن بمشروعهن، رافعات شعار "لا استسلام"، وهو ما عبرت عنه بتكرار جملة "ما بغيتش نوقف"، رغم أن صعوبات تمد أياديها الطويلة وتدفعها من الخلف نحو هاوية الفشل. خرج المشروع من رحم مبادرة فردية ل15 امرأة، كلهن ربات بيوت وأمهات، يعجز أزواجهن عن ضمان مدخول قار، "لذلك قررنا أن نخرج للعمل، لكن لا توجد في المنطقة معامل ولا شركات. بل المشكل الأكبر الذي واجهنا بداية هو مسألة الخروج في حد ذاته من البيت إلى سوق الشغل". حواجز التقاليد والعادات في المنطقة لم تساعد الكثيرات على السعي وراء مورد للدخل، قبل أن تأتي مبادرات وزارة الفلاحة لتكسر هذه الحواجز وتفعل دور المرأة في خدمة المجتمع والبيئة، وفي التنمية الشاملة والمستدامة. "سبقتنا إلى المجال عدة تعاونيات أخرى، نجحت بمساعدة وزارة الفلاحة في خلق مشاريع مدرة للدخل، لذلك كان يجب أن نقوم بخطوتنا، وأسسنا جمعية. انطلق مشروعنا بثلاثة أكياس من الدقيق، واليوم وصلنا إلى 30 كيسا، رغم أن تسعا منا انسحبن مبكرا" تضيف رشيدة، وهي تتذكر الصعوبات التي واجهتهن في تسويق منتوجاتهن. "اليوم ننتج حوالي 75 كيلوغراما من كل هذه الأنواع، نسوق الكيلو الواحد منها ب5 دراهم". التسعيرة مشكلة أخرى تجهض كل محاولات النسوة الست في تطوير مشروعهن، وهنا تقول خديجة أوديس، رئيسة جمعية قصر السوق للتنمية وحماية الطفولة، والتي تدخلت لمساعدتهن وإرشادهن عبر التكوين وتعليمهن طريقة تسويق منتوجاتهن، "أن تخرج هؤلاء النسوة من بيوتهن معجزة في حد ذاتها، لذلك يتعين علينا مساعدتهن لتوسيع مشاريعهن، وتعليمهن كيفية الوصول إلى ذلك، إذ كن يسقطن في عدة أخطاء عند التسويق، أولها عدم تخصيص أجر على المجهود الذي يبذلنه، إذ يحسبن عند تحديد السعر ثمن النفقات فحسب، وكأنهن يتبرعن بعرق جبينهن. لذلك خضعن لتكوين هنا في الدار البيضاء، وكانت تلك فرصة أخرى لإخراجهن من المنطقة للاطلاع على تجارب أخرى، وضخ الأمل فيهن من جديد". حتى اليوم لم تتمكن بعد الجمعية من تحقيق هدفها في تحقيق ربح مناسب، "مجهودنا لم يذهب أدراج الرياح، لأننا راكمنا خبرة، واليوم مع التكوين الذي استفدنا منه سنطور أساليب عملنا، بل سنسعى للمشاركة في المعرض الوطني للفلاحة لأنه يختزل المسافات الفاصلة بين مختلف التعاونيات من جهة، وبين الراغبين في عقد شراكات معها، ومع شركات وأسواق" تسجل رشيدة، وهي تطمح إلى رفع سقف مدخولها الأسبوعي من 350 درهما أسبوعيا، إلى أكثر، "كل واحدة منا تحصل على مبلغ مماثل، لأننا لا نبيع المنتوج كله، بل أحيانا لا نبيع شيئا ونتكبد الخسائر". وحدها المعارض المحلية والجهوية التي تنظمها مصالح وزارة الفلاحة تفتح أمامهن فرصة لتسويق منتوجاتهن بشكل أوسع، كما هو الشأن لدور الضيافة التي تسمح لهن بعرض سلعهن على السياح الأجانب، أما الأسواق الأسبوعية فتزيد طينتهن بلة. تستيقظ رشيدة حوالي السادسة صباحا لتعد الفطور لبناتها الثلاث، المتراوحة أعمارهن بين 14 و7 سنوات، فيما تزوجت ابنتاها الكبيرتان في سن مبكرة بعد انقطاعهما عن الدراسة، "حتا هما تزوجو بحالي صغار، حيت ما كملوش قرايتهم...ما كاناش عندنا باش...دابا كنخدم وكنعاون راجلي على بناتي اللي باقيين باش يكملو القراية" تحكي رشيدة، التي لا يتجاوز عمرها 43 سنة. حوالي الساعة السابعة صباحا تكون رشيدة في مقر العمل وهو منزل قديم سمح لهن مالكه بتحويله إلى مقر للجمعية، في انتظار تطوير مدخولهن للحصول على مقر أفضل، "نشرع في العمل في السابعة صباحا ولا ننتهي إلا في السابعة مساء، لنعود إلى بيوتنا، ولكن كل هذا المجهود لا يحقق لنا ربحا كبيرا، ورغم ذلك لدينا طموح كبير لتحقيق الأفضل مستقبلا، خاصة بعد مبادرة جلالة الملك وتخصيص حملة مؤسسة محمد الخامس للتضامن للتعاونيات النسوية" تقول رشيدة وهي تبتسم قبل أن تضيف بما يشبه المقارنة "اللهم 350 درهم في السيمانة ولا بلاش، راه أختي ما كاينش اللي يعطيك درهم، والراجل مرة يخدم مرة ما يلقا فاش يخدم...ها حنا معاونين على الزمان". ما تطمح إليه جمعية "سيغيس" هو الحصول أولا على معدات متطورة، تعفيهن من بذل مجهود يدوي أكبر لإنتاج منتوجات لا يدفع فيها المستهلك أكثر من 5 دراهم للكيلو غرام، ومعدات أخرى تسهل عملية التعليب بطريقة عصرية تسمح بتسويقها بالجملة لأسواق ممتازة. ثورة... لم يخرجن من ظل بيوتهن فحسب، بل نجحن في إخراج منتوجاتهن من ظل المنطقة التي ينتمين إليها، إلى نور أسواق مناطق أخرى، بل عقدت بعضهن شراكات مع جمعيات دولية كما أكدت خديجة أوديس، رئيسة جمعية قصر السوق للتنمية وحماية الطفولة، مضيفة أن "صناعة الكسكس في المنطقة أصبحت مهنة مدرة للدخل في بيوت القرويات بالمنطقة، وكذلك مختلف أنواع مربى التمر وأعشاب الشاي العطرية، التي تساعد على الاسترخاء، وغيرها من المواد التي خلقت ثورة في بيوت الفقراء، غير أن هذه الثورة يجب أن تمتد إلى أساليب الاشتغال، وهذا هدف حققناه مع بعض الجمعيات عبر مشاركتها في معارض وطنية ودولية مكنتها من تلقيح تجربتها بتجارب من ألمانيا وبلجيكا وغيرها من الدول التي شاركنا فيها. ومازال العمل متواصلا مع جمعيات أخرى في أمس الحاجة إلى مساعدتنا، وهي جمعيات تقاسي نساؤها، وأغلبهن أرامل ومطلقات وأمهات لأبناء، خاصة عندما يضطررن إلى الجولان في الأسواق الأسبوعية في تنجداد وتنغير وكلميمة وغيرها من المناطق". إن كانت معارض وزارة الفلاحة ساهمت بشكل كبير في مساعدة هذه الفئة، فإن وزارة الداخلية وبالضبط العمالات مازالت تضع أمامهن حجر البيروقراطية، "تخصص المبادرة الوطنية للتنمية البشرية مساعدات لمثل هذه الفئة، لكن حين تلجأ جمعياتهن إلى العمالات يواجهن دائما بعبارات من قبيل "أجل تقديم الطلبات انتهى"، هذا علما أنهن لا يتوصلن أبدا بمعلومة الأجل الذي تقدم فيه الملفات للاستفادة من دعم، وبذلك لا يمكن لنسائنا السفر لسبعين كيلومتر للوصول إلى هذه المعلومات من مقر العمالة، وحتى اللواتي يدفعن ملفات في أجلها يطلب منهن الموظفون إعادة إعدادها بمبرر أن هناك وثائق ناقصة". قيود العزلة... تمثل التعاونيات النسوية نسبة 7% من مجموع التعاونيات الموجودة على الصعيد الوطني، 53% منها بالقطاع الفلاحي و 43% بقطاع الصناعة التقليدية. الهدف من تأسيسها لا يتلخص فقط في محاربة البطالة، بل كذلك في الحد من الهجرة الداخلية والخارجية، والحفاظ على الموروث الثقافي الخاص بالمنطقة، وصيانة تنوعها الطبيعي، ثم تحفيز وإشراك نساء المنطقة على تطويرها وتنميتها المستدامة، وتعزيز روح التعاون والتآزر، وغرس جذور ثقافة العمل الجماعي بينهن، وابتكار طرق بديلة للحصول على موارد الرزق، والأهم من كل ذلك تفعيل دور المرأة في خدمة المجتمع والبيئة، وتفعيل دورها في التنمية الشاملة والمستدامة. غير أن كل هذه الأهداف لا تتحقق حسب السعدية أوسالم واحدة من نساء جمعية زوالة للبيئة ودعم المرأة، إلا بتدخل مباشر من الوزارات الوصية، "مثلا جمعيتنا تنشط في مجالات فلاحية وفي الصناعة التقليدية كذلك، إذ تتخصص في الكسكس والخبز البلدي والحلويات وتوابل الأعياد والوجبات الخاصة، وننتج كذلك "تيحراي" وهو الحايك و"سبانة الموزون" والخيط، غير أن مشكل التسويق مازال يعترضنا" تسجل السعدية. العزلة التي تواجهها الجماعة القروية تحد من مجهودات نسائها في تنمية مشاريعهن،وتسويق منتوجاتهن، خاصة في غياب نقل خاص بهن، "أحيانا لا نتمكن حتى من المشاركة في المعارض، لكننا لن نستسلم خاصة بعد التكوينات التي تلقيناها". أهم مكسب لهؤلاء النسوة تقول السعدية، لا يرتبط بالمدخول المالي فحسب، بل أيضا "اكتساب مهارات وتجربة وخبرة في التعامل مع الناس، واكتشاف عوالم أخرى لم نكن نحلم برؤيتها. شخصيا إذا لم أحقق ربحا ماليا كبيرا فقد حققت أشياء أخرى ووسعت مداركي في مجموعة من الأمور، وعرفت أن المرأة لم تخلق لتحاصر نفسها في البيت، بل من واجبها المساهمة في تنمية المنطقة". ضحى زين الدين