حوادث

وهبي: عدالتنا تدعو إلى الشفقة

النقيب أكد أن حالها لن يستقيم في جو عام يتسم بديمقراطية صورية يسود فيها خطاب سياسي مغرق في الابتذال 

أجرت الحوار: كريمة مصلي

اعتبر النقيب حسن وهبي، الرئيس السابق لجمعية هيآت المحامين بالمغرب، ورئيس  الهيأة الوطنية للعدالة، أن مرور حوالي ست سنوات من التلكؤ والتردد غير المبررين، على صدور الدستور، دون أن يجد طريقه إلى ترجمة مبادئه إلى واقع ملموس، يؤكد وجود النية المبيتة في الالتفاف عليها. وأضاف النقيب في حوار مع «الصباح» أن  هناك فتورا مقلقا على مستوى العديد من المؤسسات المهنية للمحامين،  في الحراك الدائر، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه لا يعدو أن يكون سحابة صيف ستنقشع.

وفي ما يلي نص الحوار:

 

< انتخبتم على رأس هيأة وطنية  للعدالة، ما الغاية من وراء إحداث هذه الهيأة؟

< الهيأة جاءت نتاج شهور عدة من المشاورات بين عدد من رؤساء جمعية هيآت المحامين بالمغرب السابقين وعدد من النقباء والزميلات والزملاء المحامين من جميع هيآت المحامين بالمغرب، ومع عدد من أعضاء باقي مكونات العدالة، والتي تشكلت إثرها لجنة تحضيرية انكبت على توحيد الرؤى بتحديد الأهداف وتضمينها في مشروع قانون أساسي، وأصدرت بتاريخ 29 نونبر بيان التأسيس لمناسبة اليوم الوطني للمحاماة بالمغرب والذي أعلنت فيه عن الأهداف والدواعي من التأسيس.

بعد ذلك وسعت من دائرة المشاركة في التأسيس وحددت موعد الإعلان عنه والذي صادف مناسبة ذكرى اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي يتم الاحتفاء به في العشرين فبراير من كل سنة.

أما عن الغاية من التأسيس فهي العمل بكل الوسائل المشروعة والمتاحة من أجل تحقيق الأهداف التي تضمنها القانون الأساسي المصادق عليه في الاجتماع التأسيسي، موزعة على 18 هدفا بدءا من العمل من أجل تنزيل فعلي وحقيقي للمقتضيات الدستورية بشأن العدالة، مرورا بتوحيد الجهود المبذولة في سبيل ضمان استقلال السلطة القضائية ونزاهتها، مع تعزيز حصانة الدفاع وحريته واستقلاله ونزاهته، وبخلق روح الانسجام والتعاون والتنسيق بين جميع مكونات منظومة العدالة، والوقوف في وجه مشاريع زرع الفتنة في ما بينها إلهاء لها عن الانخراط في عمل وحدوي لمواجهة التحديات والمشاكل الحقيقية لمنظومة العدالة، وبهدف الحيلولة بينها وبين تمتين أواصر التعاون والتكامل في ما بينها في سبيل تحقيق أهدافها المشتركة، ومرورا أيضا باتخاذ المبادرات التشريعية، ومناقشة مشاريع ومقترحات القوانين، وإبداء الرأي فيها، وتقديم الملاحظات والمقترحات من أجل تجويدها، وانتهاء بإعداد تقرير سنوي يرصد سير العدالة بالمغرب، إلى غير ذلك من الغايات والأهداف التي ينشدها المؤسسون.

< ألا ترون أن الأهداف التي سطرتموها لم تأت بجديد لأجل النهوض بالعدالة في المغرب، خاصة أن الكل يرفع شعار محاربة الفساد؟

< محاربة الفساد ليست الهدف الوحيد للهيأة كما سبق القول، ولكنه واحد من بين أهدافها الرئيسية، وتقاطع هدف أو أكثر من أهداف الهيأة مع أهداف هيآت أو جمعيات أخرى لا يكون مدعاة لإسقاطه من اهتمامنا، والحال أن من بين أهداف الهيأة ووسائل عملها أيضا كما ذكرت تمتين أواصر التعاون والتكامل والتنسيق مع الهيآت والمنظمات والجمعيات ذات الأهداف المشتركة.

وللعلم فإن جل الجمعيات التي تم تأسيسها في إطار منظومة العدالة جمعيات مهنية تهدف بالأساس إلى الدفاع عن مصالح وحقوق المنتسبين إليها. وأن تعمل الهيأة الوطنية للعدالة من أجل إشراكها في العمل ضد آفة الفساد، لمن شأنه أن يعطي إمكانيات مضافة لجبهة مقاومته، أي الفساد، ويوسع من دائرتها.

<  بعيدا عن الهيأة الجديدة كيف ترون حال العدالة في المغرب، والإصلاحات التي  جاءت في الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة؟

< حال العدالة بالمغرب يدعو إلى الشفقة، رغم جميع محاولات التمويه بما عرفه التدبير الإداري للمحاكم من التحسن باعتماد آليات التواصل الحديثة وتقنية المعلوميات رغم الهفوات التي ما تزال تعترض ذلك، وهو أمر طبيعي بحكم حداثة العهد بها، إلا أنه في ما يتعلق بالجانب الأهم، جانب الجوهر المتعلق باستقلالية السلطة القضائية ونزاهتها، فإن الأمر لا يزداد إلا سوءا واستفحالا رغم كل الشعارات الرنانة التي لم يفتأ البعض يجترها لمناسبة أو بدونها، مصرا دون خجل على وصف ما يجري بأنه الإصلاح «العميق والشامل»، وليس بينه وبين العمق والشمول سوى الخير والإحسان.

وفي كل الأحوال، كيف لحال العدالة أن يستقيم في جو عام يتسم بديمقراطية صورية، يسود فيها خطاب سياسي مغرق في الابتذال والضحك على الذقون إلى حد الفحش، وبممارسات أقل ما يقال عنها إنها غير ديمقراطية، وتفتقر للحس بالمسؤولية، إن لم تكن في الكثير من الحالات تعبيرا صريحا عن الاستخفاف بها؟؟؟.

لا يمكن للعدالة أن تنأى بنفسها وحيدة عن هذا الجو الموبوء، دون أن ينالها حظها من الإيذاء، والأدلة تترى وتتوالى يوما عن يوم مفندة في تحد صارخ كل مزاعم الإصلاح التي يتم التبجح بها ليل نهار.

< منح دستور 2011 السلطة القضائية استقلالا، غير أنه لم تتم ترجمته على أرض الواقع، لم ترجعون ذلك؟

< مرور حوالي ست سنوات من التلكؤ والتردد غير المبررين على صدور الدستور دون أن يجد طريقه إلى ترجمة مبادئه إلى واقع ملموس، إنما يؤكد وجود النية المبيتة في الالتفاف عليها، خاصة في ما يهم استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، الاستقلال الفعلي في جميع مظاهره القانونية والمادية.

< كيف ترون مستقبل مهنة المحاماة، وهل استطاعت الجمعية خلال السنين الأخيرة تحقيق بعض المكتسبات لها؟

< إنها واحدة من بين المؤسسات المستهدفة أيضا في السنين الأخيرة، خاصة في ركنين أساسيين من الأركان التي لا محيد لها عنهما، ألا وهما الحرية والاستقلال، واللذان بدونهما لن تقوم لها قائمة.

ولعل خير دليل على ذلك الاستهداف ما جاءت به مقترحات ما سمي الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة حول مهنة المحاماة، وغيرها من النصوص القانونية المتلاحقة ومشاريع القوانين المسطرية، والتي تنال من المبادئ الأساسية لمهنة المحاماة ومكتسباتها وتنال من مهامها ومسؤولياتها، والتي يجري تجريدها منها واحدة تلو الأخرى، مع تأجيل عرض مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، الذي حدد موعد له في 2015،  وذلك بنية مبيتة إلى حين استكمال الإجهاز على المزيد من مكتسبات المهنة وحقوق المنتسبين إليها، وعندها لن يكون بيد المشروع ما يمكن تقديمه للمهنة وممتهنيها.

وما ينبغي تسجيله أن العديد من المهن المحسوبة على منظومة العدالة عرفت في السنوات الأخيرة حراكا واعدا ونهوضا من أجل الدفاع عن حريتها واستقلالها، مقابل فتور مقلق على مستوى العديد من المؤسسات المهنية للمحامين، غير أن ذلك وكما قلت لمناسبة سابقة لا يعدو أن يكون سحابة صيف ستنقشع عما قريب إن شاء الله، وحبذا لو كان الجميع على المستوى نفسه من اليقظة والحرص والتعاون والتنسيق.

ولعلها المناسبة لأهمس في أذن من أقسم بالأيمان المغلظة في مجالسه الخاصة بأن لا يترك مسؤولياته إلا بعد إذلال المحامين، أهمس في أذنه بأن يراجع التاريخ القريب منه والبعيد عن معارك المحاماة والمحامين في سبيل حريتهم واستقلالهم.

فالمحاماة بحكم طبيعتها، ومنذ أن اهتدت إليها الإنسانية، كانت دائما وما تزال وستظل بفضل المخلصين من أبنائها البررة مناضلة من أجل إقرار سلطة قضائية مستقلة ونزيهة يسندها دفاع حر مستقل ونزيه، حامية للحقوق والحريات، عاملة من أجل إقرار ديمقراطية حقيقية وفي جميع تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى غير ذلك من المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق المحامين عبر العصور، والتي من بينها وقوفهم دائما، مهما كلفهم الأمر، في وجه الظلم والجور، وفي وجه كل محاولات التدجين والاحتواء.

 

مأزق أزمة العدالة

إن ما أريد له أن يكون ضدا على منطق الأشياء، عملية إصلاح لمنظومة العدالة، لا يختلف في شيء إلا في الشكل، عما سبقه من محاولات باءت كلها بالفشل.

وأزمة العدالة كما سبق وقلت جزء من أزمة مجتمع في جميع تجلياتها التي ذكرت السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية وغيرها، والذين يقولون إنه بإمكان إصلاح العدالة بمعزل عما يدور في المجتمع، يكفيهم الرجوع إلى محاولات الإصلاح السابقة التي انطلقت من المقدمات نفسها، والتي أدت إلى النتائج نفسها من الإفلاس واليأس والإحباط، ومن هدر المزيد من الوقت والجهد والمال دون طائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق