يجمع بين الكوميديا والتراجيديا وتدور أحداثه في المغرب العميق انطلق الأربعاء الماضي، عرض فيلم "في بلاد العجائب"، في عدد من القاعات الوطنية في البيضاء وطنجة وفاس ومراكش، وهو العمل الذي يعتبر أولى تجارب الأفلام الطويلة للمخرجة وكاتبة السيناريو جيهان بحار. "الصباح" حضرت العرض ما قبل الأول للفيلم بالمركب السينمائي "ميغاراما" بالبيضاء، والذي عرف حضورا كثيفا للإعلاميين والمخرجين والممثلين والشخصيات المعروفة، وجاءت بهذه الورقة: إنجاز: نورا الفواري تدور أحداث "في بلاد العجائب" حول شابة ثرية ومتعالية تضطر إلى السفر إلى منطقة نائية من المغرب من أجل استعادة جثمان زوجها الراحل ودفنه بالدار البيضاء، لكن الأقدار تضطرها إلى المكوث أطول مدة ممكنة في تلك المنطقة بعد تعطل سيارة نقل الأموات التي كانت تقلها، حيث ستكون شاهدة على العديد من الأحداث الأليمة والمعاناة اليومية، وهو ما يجعلها تغير نظرتها إلى العديد من الأمور في الحياة. ويحاول الفيلم، من خلال هذه القصة، تسليط الضوء على معاناة السكان في ما يسمى المغرب العميق، الذين يعيشون كل يوم في ظل التهميش والعزلة، ويضطرون إلى قطع العديد من الكيلومترات من أجل جلب الماء أو الحطب أو من أجل التمدرس والاستشفاء، في ظل غياب وتنصل الدولة من مسؤوليتها تجاه سكان هذه المناطق النائية، وهي الرسالة التي نجح الفيلم في إيصالها إلى المشاهد، من خلال مواقف ومشاهد قوية جمعت بين الكوميديا والتراجيديا في الوقت نفسه. حضور نسائي قوي تحضر النساء في الفيلم بشكل قوي، بمختلف أطيافهن وفئاتهن الاجتماعية، سواء من خلال شخصية الشابة الغنية التي ترتدي "الماركات" وتحرص كثيرا على مظهرها، والتي، رغم ما يبدو عليها من كبر وغطرسة، تحمل داخلها ندوبا غائرة وقلبا رهيفا، أو من خلال شخصية المرأة المهمشـة التي تناضل يوميا من أجل لقمة عيـش أبنائها، في ظل غياب الزوج، والتي لا تتمنى من الدنيا سوى حياة بسيطـة بين أفراد عائلتها في قريتها المعزولة، ثم المرأة المتحدرة من بيئة شعبية بامتياز، والتي تعمل "شيخة"، لم ترحمها الحياة ولم ترحمها نظرة المجتمع التي لا ترى فيها سوى غانية أو جسد قابل للاستغلال، في حين أنها امرأة ككل النساء، تحلم بالحب والزواج وأبناء يحيطون بها في أواخر سنينها. خلطة النجاح نجح "في بلاد العجائب"، من خلال خلطة ذكية ومتقنة، في ضمان الجودة المفروض توفرها في كل عمل سينمائي، والإقبال على شباك التذاكر في الوقت نفسه، وذلك من خلال الحرص على البساطة في الفكرة دون تعال أو سفسطة فارغة لا تخلو منها جل الأفلام المغربية، ومن خلال التطرق إلى موضوع قريب من الواقع المغربي ومشاكله، خلافا أيضا للعديد من الأفلام المغربية الأخرى التي تفضل الهروب تماما من هذا الواقع وتتحدث عن قصص وحكايات شخصية لمخرجيها، ساذجة ومتفككة، ولا تهم المتلقي في شيء، أو من خلال توظيف الكوميديا للضحك على واقع أسود، لكنه ضحك يمتزج بالبكاء في العديد من المشاهد الإنسانية القوية التي رصدتها كاميرا المخرجة بكل إتقان ومهارة، وسايرتها موسيقى الفيلم ب"تاماوايتها" الأمازيغي الحزين. الحوار... السهل الممتنع يتميـز الحوار في الفيلم بالسلاسة وبجمعه أيضا بين السهل والممتنع. إذ وظفت فيه دارجة جميلة يتماهى معها جميع المغاربـة، وهو ما يكاد يغيب في العديد مــن الأعمال المغربية، زادهـا حـلاوة العفوية والتلقائية التي يؤدي بها أبطال العمل مشاهدهم. الفيلم أيضا يحمل جرعة قوية من السخرية والإضحاك، وهي جرعة يحتاجها المشاهد في العديد من الأعمال التلفزيونية والسينمائية التي تغيب عنها الكوميديا ويكثر فيها التهريج، وهو ما يشكل عنصر نجاح كبير للعمل ككل، ودعوة إلى الفرح والضحك من قلب الألم واليأس. "الكاستينغ"... ملح العمل تظل أقوى نقطة في الفيلم، "الكاستينغ" المميز للممثلين، على رأسهم عزيز دادس، عنصر النجاح الأول اليوم في كل عمل سينمائي، وماجدولين الإدريسي التي تجمع بين الجمال وخفة الروح وقوة الأداء، ومالك أخميس، الذي يظهر في كل مرور له قدرات تمثيلية مبهرة، إضافة إلى فدوى طالب، الموهبة الواعدة التي سيكون لها شأن كبير في السنوات المقبلة، وهدى صدقي، التي غابت عن الساحة سنوات وكان عودهـا مـن خلال "في بلاد العجائب"، أحمد، ثم الممثـل الصغير (سنّا) الذي جسد دور الابن بنظراته وابتسامته وملامح وجهه الطفولي الجميل والمعبّر، فكان ملح المجموعة التمثيلية والكــرزة فوق الكعكة. يشار إلى أن جيهان بحار كتبت أيضا سيناريو فيلمها "في بلاد العجائب"، وشاركها الكتابة رشيد حمان، في حين أشرف على المراجعة زوجها الإعلامي جمال الخنوسي. وكانت بدايات بحار بكتابة السيناريو، إذ كانت لها تجارب عديدة ناجحة مثل سلسلة "لالة فاطمة" الكوميدية وفيلم "نساء في مرايا" للمخرج سعد الشرايبي، قبل أن تتوجه إلى الإخراج التلفزيوني من خلال شريط "حمرا وخضرا"، ثم إخراج مجموعة أفلام قصيرة أهمها "شيفت زائد حذف" المتوج بجائزة السيناريو في مهرجان بيروت الدولي، و"الفصل الأخير"، و"الــروح التائهـة" الذي حصل على جائزة النقـد وجائـزة أحسـن سيناريو في إحـدى دورات مهرجان طنجة. الجمهور بين ضحك وبكاء نال الفيلم إعجاب أغلب من حضر عرضه ما قبل الأول بالمركب السينمائي "ميغاراما" بالدار البيضاء، إذ صفق الحضور طويلا بعد نهايته، كما تأثر الجمهور بالعديد من المشاهد أثناء عرضه، وتفاعل معها إما بالضحك أو البكاء. وكــان من بين الحضور عدد كبير من الفنانين والمخرجين والإعلاميين المعروفين، من بينهم رشيد العلالي، مقدم برنامج "رشيد شو"، ورشيد الإدريسي، نجم إذاعة "أصوات"، وزميله المنشط الإذاعي عــز الدين عزيزي، ونجــم الإذاعــة والتلفزيون عماد قطبي (شدى إف إم)، ونجم "راديو بلوس" أدب السليكي، والمخرج والممثــل إدريس الروخ، وإدريس الإدريسي، مديــر الإنتاج بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، والفنان اللبناني المقيم بالمغرب رياض العمر، والمخرجان ادريس المريني وعزيز السالمي، والفنانة حنان إبراهيمي العائدة إلى الأضواء.