fbpx
حوادث

مخاض القانون الأساسي لهيأة كتابة الضبط

جلال مكوط
الخطاب الملكي يجدد تأكيد أهمية المرفق ويشكل قطيعة مع المفهوم المخزني للقضاء

خاض موظفو هيأة كتابة الضبط في الأسابيع الأخيرة ابتداءً من فاتح شتنبر سلسلة من الإضرابات دعت إليها النقابة الديمقراطية للعدل المنضوية تحت لواء الفيدرالية الديمقراطية للشغل، بعد استنفادها لحسن نواياها، وبعدما ظل القانون الأساسي لموظفي هيأة كتابة الضبط المتوافق عليه مع وزارة العدل، والذي يندرج ضمن مجموعة من النقاط العالقة بين النقابة والوزارة يراوح مكانه ولا يسجل أن تقدم إيجابي في سبيل إخراجه إلى حيز التنفيذ، بل إنه في سابقة من نوعها تخبر النقابة الديمقراطية للعدل من طرف الإدارة المركزية بتاريخ 12 أكتوبر 2010 بأن لا حديث عن أي نظام أساسي لكتابة الضبط، وبأن العرض الحكومي يقتصر على تقديم إعانات لهذه الهيأة تصرف سنويا ولا تدخل ضمن احتساب الراتب الأساسي لأسلاك هذه الهيأة. قد دعت النقابة الديمقراطية للعدل وبنفس التاريخ في إطار سياستها التي تنبني على الديمقراطية والتشاور إلى عقد مجلس وطني عشية يوم 12/10/2010 من أجل تدارس الوضع والخروج بقرار موحد يترجم إرادة مختلف العاملين بالقطاع، على اعتبار أن المجلس الوطني يشمل 151 عضوا يمثلون موظفي كافة محاكم ربوع المملكة، حيث كان النقاش يسير في اتجاه واحد وهو التمسك بالخطابين الملكيين الساميين لكل من 29 يناير 2003 و30 غشت 2009 الداعيين إلى إحداث نظام أساسي محفز ومحصن لهذه الهيأة، واعتبار أن التوجيهات الملكية السامية تشكل خارطة طريق تفرض على الحكومة السير على نهجها من أجل تحقيق إصلاح جذري لمرفق القضاء، ومن أجل إحداث قطيعة مع جميع الممارسات السابقة التي جعلت المجتمع المدني لا يطمئن لهذا المرفق، ودفعت العديد من المستثمرين الأجانب إلى تحويل استثماراتهم إلى وجهات أخرى بسبب عدم ثقتهم في نزاهته.
وقد جاء الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية لهذه السنة ليؤكد من جديد على أهمية المرفق وليشكل بحق قطيعة مع المفهوم المخزني للقضاء، وليجعله في خدمة المواطن المغربي تكريسا لجلالته لعناية جلالته البالغة والموصولة بهذا المرفق.
انطلاقا مما سبق، فإنه وجب تسليط الضوء على هذا التوتر في العلاقة التي تعرفها وزارة العدل مع موظفيها من خلال منظمتهم الأكثر تمثيلة النقابة الديمقراطية للعدل، واستجلاء ما خفي فيها، وتوضيح دوافع استمرار أشكال الاحتجاجات من طرف موظفي وزارة العدل، وما تسعى إليه الحكومة المغربية ومن خلالها وزارة المالية ووزارة العدل في إطار استراتيجية يطغى عليها طابع عدم التنسيق بين الوزارتين، من مغالطة للرأي العام الوطني بشأن تحقيق جملة من المطالب المادية لهذه الهيأة.
تتجلى دوافع استمرار أشكال الاحتجاجات من طرف النقابة الديمقراطية العدل فيما يلي :
– أولا : أن الحوار القطاعي الأخير والذي عقد بتاريخ 12/10/2010 أكد بأن الحكومة غير معنية بإخراج القانون الأساسي لكتابة الضبط وفق الصيغة المتوافق بشأنها مع النقابة الديمقراطية للعدل، وأن عرضها الوحيد هو تقديم مبالغ مالية تقتطع من الحساب المرصود لدعم المحاكم ومؤسسات السجون، الذي تم نسخه بمقتضى المادة 21 من مشروع قانون المالية 2011 ، وتم تقسيمه وفق المادتين 22 و23 إلى صندوقين : صندوق خاص لدعم المحاكم وصندوق خاص لدعم مؤسسات السجون، على ما سنأتي على ذكره فيما بعد.
– ثانيا : أن العرض الحكومي المتمثل في ما سماها المرسوم الإعانات لا يدخل في احتساب الراتب الذي يتقاضاه موظف كتابة الضبط باعتبار أن هذا الأخير يتكون من الراتب الأساسي والتعويض عن التدرج الإداري والتعويض عن التوثيق والتعويض عن الإقامة، وهنا تظهر المفارقة فيما تم التصريح به أمام  مجلس المستشارين من أن هناك زيادة ستمس الراتب الأساسي لموظفي العدل تتراوح بين 21 و27 في المائة. والواقع أن الأمر يتعلق  بإعانات تصرف سنويا بنص المرسوم وتعرف في صرفها صعوبات تجعل الاستفادة منها تمتد إلى شهر أبريل وماي من السنة الموالية لاستحقاقها، إضافة إلى أن شريحة من المهندسين والتقنيين المنتمين لهذه الهيأة لا زالت لم تستفد بعد منها، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن الطبيعة القانونية لهذه المبالغ المالية. فإذا كانت إعانات فهي يجب أن تأخذ شكل منح يتم صرفها سنويا، وتأتي بعد النهوض بالراتب الشهري لموظف كتابة الضبط إلى درجة تجعله يتناسب مع المهام الجسيمة التي يقوم بها، وتأخذ صفة تحفيز له على العطاء وبذل العناية في أدائه لمهامه. أما إذا كانت تأخذ شكل تعويض مدرج في الراتب الشهري، فالأمر يستدعي تحويلها من إعانات إلى تعويض قار يصرف شهريا وضعها في خانة من الخانات التي تشكل مجموع ما يتقاضاه موظف كتابة الضبط من راتب شهري والتي تعتبر الميزانية العامة للدولة موردها الرئيسي، وبالتالي إخضاعها لإقتطاع التقاعد والضريبة العامة على الدخل واقتطاعات التعاضدية شأنها في ذلك شأن باقي التعويضات الواردة أعلاه.
– ثالثا : موارد صندوق دعم المحاكم تعتبر غير قارة، فحسب المادة 22 من مشروع قانون المالية فالصندوق يضم في موارده :
– 56 في المائة من حصيلة الغرامات والعقوبات المالية التي تحكم بها المحاكم، عدا تلك المتعلقة بمخالفات قانون السير على الطرق؛
– 56 في المائة من المصاريف القضائية والرسم القضائي؛
– 28 في المائة من حصيلة الغرامات والعقوبات المالية المتعلقة بمخالفات قانون السير التي تحكم بها المحاكم.
إضافة إلى مساهمات من الميزانية العامة، وموارد مختلفة لم يتم تحديدها بدقة في مشروع قانون المالية.
وإذا أضفنا إلى عدم استقرار الموارد الواردة أعلاه، الجانب المدين في الصندوق والمحدد حسب نص المادة في :    
مصاريف الدراسات؛
مصاريف بناء وتوسيع وتجديد وترميم المحاكم؛
مصاريف التجهيزات والمعدات والأدوات اللازمة للمحاكم؛
مصاريف تأهيل قضاة وموظفي المحاكم؛
التعويضات الخاصة والجزافية الممنوحة للموظفين وأعوان كتابات الضبط طبقا للنصوص التنظيمية الجاري بها العمل؛
إضافة إلى عشر أنواع أخرى من المصاريف التي عددتها المادة ذاتها.
إن الزيادة في تعويضات الحساب الخاص بدعم المحاكم والتي اقترحت الحكومة منحها لهيأة كتابة الضبط في شكل إعانات، منظور إليها من طرف الحكومة – في محاولة منها لتضليل الرأي العام – على أنها زيادة في الراتب الشهري لموظفي هذه الهيأة تطرح أكثر من سؤال:
1 – أن المادة 22 من مشروع قانون مالية 2011 لم تكن دقيقة بحيث أنها لم ترقم مصاريف الصندوق الخاص بدعم المحاكم ولم تحدد الترتيب الذي يتم اعتماده فيما يخص صرفها والجوانب ذات الأولوية، مما يفسح المجال أمام تسبيق مصاريف على أخرى، الشيء الذي يطرح علامة استفهام في حالة ما إذا ما تم استغراق كافة المصاريف وتركت الإعانات الجزافية دون صرف.
* عضو المجلس الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل

2 – أن المادة 22 أضفت على هذه الإعانات الطابع الجزافي بما يحمله هذا الوصف من الناحية القانونية من معنى، أي أن مبلغ التعويض سيظل يتأرجح بين السقف المحدد له في مرسوم الإعانات وبين صفر درهم، وفق المداخيل المسجلة بالصندوق، وإذا ما أضفنا إلى ذلك عدم منحه امتياز الصرف فإن التعويض قد يبقى مجرد من ضمانات الاستخلاص، وبالتالي غير مضمون الأداء في حالة استغراق باقي المصاريف لمداخيل الصندوق.
3 – أن هذه المادة لا زالت تتحدث عن موظفي وأعوان كتابة الضبط والحال أن أعوان كتابة الضبط قد تم إدماجهم في إطار كتاب الضبط وفق مرسوم رقم 2.10.062 المتعلق بسن تدابير استثنائية للترقية في الدرجة لفائدة الموظفين المنتمين إلى الدرجات المرتبة في سلاليم الأجور من 1 إلى 4 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5826 بتاريخ فاتح أبريل 2010،
– رابعا : أن القانون الأساسي لهيأة كتابة الضبط يشكل بالنسبة للنقابة الديمقراطية للعدل ومن خلالها موظفي هيأة كتابة الضبط خطا أحمر لا يمكن التنازل عنه، وسندهم في ذلك الخطابان الملكيان الساميان ل29 يناير 2003 و30 غشت 2009 اللذين دعا فيهما صاحب الجلالة إلى تمكين هذه الفئة من الموظفين من قانون أساسي محصن ومحفز، فالتحصين يتحقق بإقرار ضمانات وامتيازات وظيفية تجعل العاملين بكتابات الضبط يمارسون مهامهم في أجواء مريحية بعيدا عن الضغوطات النفسية والمهنية، أما التحفيز فيضم من ضمن ما يضم إقرار تعويضات منصفة توازي المهام الجسيمة الملقاة على موظفي هذه الهيأة، وإقرار امتيازات في الترقي وفي الانفتاح على المهن القضائية الأخرى.
وإذا كان مشروع النظام الأساسي لهيأة كتابة الضبط المتوافق عليه بين النقابة الديمقراطية للعدل ووزارة العدل والذي لا زال حبيس رفوف الأمانة العامة للحكومة قد استجاب جزئيا لهذه التطلعات، فإنه وللأسف الكبير لا زال يلقى مقاومة ومعارضة داخلية في كبد وزارة العدل، وخارجية من خلال توجس الحكومة من إخراجه لحيز الوجود، الأمر الذي زاد من تأجج الوضع داخل قطاع العدل، خاصة في ظل الخطابات الضبابية للحكومة والتي تحاول من خلالها إضفاء عدم المشروعية على نظالات الموظفين الشرفاء فيه.
– خامسا : عدم الانسجام في الخطابات الرسمية، والذي يتمظهر في شقين : شق داخلي وشق خارجي، ففي الشق الداخلي نجد ممثلي وزارة العدل من جانب أول يؤكدون في جلسة الحوار القطاعي الأخيرة المنعقدة بتاريخ 12/10/2010 مع النقابة الديمقراطية للعدل على أن لا حديث بالنسبة للحكومة عن نظام أساسي لهيأة كتابة الضبط وأن العرض الوحيد الممنوح هو الزيادة في مبلغ الإعانات وفق جدولة زمنية تجعل استحقاقها يمتد إلى متم سنة 2011، ومع التباطؤ الذي يعرفه صرفها من لدن المديريات الفرعية خلال شهر أبريل من سنة 2012، هذه السنة التي تصادف الاستحقاقات التشريعية التي ستعرفها بلادنا، بما يحمل ذلك من ظهور حكومة جديدة سوف تتنصل لا محالة من التزامات الحكومة السابقة، وبالتالي خندقة هذه الإعانات على علاتها. وفي جانب ثان يطالعنا وزير العدل الذي نكن له كل التقدير والاحترام ونشهد له بواقعيته وإلمامه الجيد بوضعية كتابة الضبط، وهو الذي كابد ما تعانيه من خلال مراسه بمحاكم مدينة الدار البيضاء، يؤكد الوزير على أن نص النظام الأساسي لم يرفض ولم يسحب من الأمانة العامة للحكومة وأنه لا زال حيا يرزق لدى الأمانة العامة الحكومة، وأنه ناضل وسيناضل من أجل المطالبة بإقراره وأن هناك عدة إمكانيات للوصول إلى حل يرضي كل الأطراف.
إذن، وفي ظل هذا التصريح، فالأمر لا يخلو من تأويلين، إما أن هناك أطرافا تريد بطريقة أو بأخرى تأجيج الوضع داخل القطاع، وإحراج السيد وزير العدل، خاصة وأن النظام الأساسي لهذه الهيأة بات أمل الجميع داخلها والكل مستعد للتضحية من أجله، وأن كل إقبار له من شأنه أن يزيد من وتيرة الاحتجاجات، وإما أن الحكومة فشلت في الخطوة الأولى التي سعت من ورائها إلى إسكات هذه الهيأة بإمدادها بإعانات إذا ما قبلت سوف تحصر مطالبها في مطالب مادية صرفة، ورأت أن تعاود طرح ملف النظام الأساسي على اعتبار أنه لا زال ينتظر ولادته، ولا زال يعرف فترة مخاض في الأمانة العامة للحكومة.
أما الشق الخارجي، فيتجلى في أن الحكومة قد عكست الآية، فعوض أن تركز اهتمامها على إخراج القانون الأساسي المتوافق عليه، والذي يعتبر حدا أدنى من المطالب المعقولة لموظفي وزارة العدل، سارعت إلى المصادقة على الزيادة في الإعانات بالمجلس الحكومي ل 14/10/2010 وتم إدراجه ضمن المراسيم المصادق عليها في المجلس الوزاري بتاريخ 16/10/2010، وبادرت في تمويه خادع لوسائل الإعلام على إعطاء هذا المرسوم صبغة الزيادة في الأجور التي تفننت في تصوريها على أنها زيادات مهمة، ولكي تحرج بالتالي كل شكل نضالي يلي المصادقة على هذا المرسوم، ومن خلال ذلك تأليب الرأي العام الوطني ضدا على المطالب المشروعة لموظفي العدل. وقد كان مجديا للحكومة وهي التي رصدت مبلغ 250 مليون درهم لهذه الإعانات أن تعمل على دمجها في القانون الأساسي لهذه الهيأة وإخراجه إلى الوجود خصوصا إذا علمنا أن هذا الغلاف المالي قد رصد ضمن مشروع ميزانية 2011، وأنه لن يكلف وزارة المالية درهما زائدا.
وفي خطوة إيجابية من جانبها، بادرت النقابة الديمقراطية للعدل إلى إعلان نيتها في إقرار سلم اجتماعي متى تم دمج هذا الغلاف المالي ضمن النظام الأساسي لكتابة الضبط، ومن ثم تخصيصه بتعويض خاص يدرج ضمن الراتب الشهري لموظفي وزارة العدل يشكل تخفيزا لهم، ويساعدهم في أداء واجبهم المهني على الوجه المطلوب، بالموازاة مع الحفاظ على الامتيازات الأخرى المضمنة بالقانون الأساسي، أي أن الأمر لا يعدو أن يكون تعديلا للمادة 43 من مشروع النظام الأساسي والتي خصصت لنظام التعويضات والمنافع، وهكذا تكون النقابة الديمقراطية بمنطلق عقلاني حكيم قد وجدت الحل الأمثل للحد من التشنج الذي يعرفه قطاع العدل، ويبقى الأمل معقودا على الحكومة في التجاوب الإيجابي مع هذا الطرح، خاصة متى علمنا أنه لن يثقل كاهلها بأي تكلفة مالية زائدة.
  جلال مكوط : عضو المجلس الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى