سكان باعوا شققهم بأثمنة بخسة وآخرون يتمسكون ببصيص أمل حتى عندما يؤكد بعض سكان حي السككيين وجزء من الصخور السوداء وعين السبع بالدار البيضاء، أنهم تعايشوا مع الروائح الكريهة التي تغلف بها معامل صناعية حياتهم اليومية، فإنهم لا يدفنون حلمهم بالتخلص من هذه "العيشة الخانزة"، على حد تعبير أحدهم، في مقبرة اليأس، ولا يفقدون الأمل في أن تتحرك جهة ما لتخرج الحلقة الأخيرة من هذا المسلسل الذي يمتد إلى أزيد من 30 سنة. إنجاز: ضحى زين الدين - تصوير: (أحمد جرفي) يمسك حرار المنصوري، سككي متقاعد، رأسه براحتي يديه، تعبيرا عن الندم، "لو بعت الشقة... لو تخليت عنها... لو أنصت ولو لدقيقة لرأي زوجتي، لما وجدت اليوم نفسي في هذا الوضع"، ثم يشير بسبابته إلى الفراش، حيث تتمدد ابنته المريضة، البالغة من العمر 30 سنة، والتي أصبحت عاجزة عن الخروج من البيت، وعن عيش حياة عادية كأي شابة في عمرها. تكتفي فاطمة الزهراء بالجلوس بالقرب من النافذة لمراقبة السيارات وهي تعبر شارع مولاي اسماعيل مسرعة، كأنها تهرب من الرائحة الكريهة المقبلة من المعامل المجاورة. حلمها الوحيد أن يتمكن والدها من بيع الشقة للانتقال إلى البادية، "الطبيب نصحنا بالانتقال إلى البادية، بعد أن أصيبت ابنتي بمرض غريب، ورغم أنه ألح مرارا علينا بأن ننقل ابنتنا إلى مكان غير ملوث، إلا أننا لم نجد مشتريا للشقة لنتمكن من اقتناء سكن بديل"، تقول ميلودة والدة فاطمة الزهراء وزوجة السككي المتقاعد، التي أدركت وهي تدخل شقتها عروسا في 1988 أن هذا البيت لا يليق بسكن يمكن العيش فيه بصحة وسلام، وحاولت أن تقنع زوجها بذلك دون جدوى. "عيات معايا نبيع الدار، الناس في 1993 باعوا بالعشرات ديورهم، وهاجروا لمدن داخلية"، يقول حرار، الذي ينفق أزيد من 1000 درهم شهريا لعلاج ابنته، "لا يوجد حل، ولتستقر وضعية ابنتي الصحية يجب أن أنقلها إلى مكان لا تلوث فيه، الطبيب يصر على أن أبحث عن بيت في البادية، لكني عاجز عن بيع شقتي". انقطعت فاطمة الزهراء عن الدراسة في سن الرابعة عشرة من العمر، بعد أن اشتد مرضها، إذ كانت تصاب بنوبات اختناق، خاصة بالليل، وبالضبط في اللحظات التي تفتح فيها المعامل صنابير مداخنها لتنفث نفاياتها الصناعية، والتي غالبا ما تحملها الرياح إلى الأحياء القريبة منها، "في منتصف الليل، وفي أيام العطلة الأسبوعية، تصبح هذه الرائحة أكثر عدوانية" يقول شاب في السادسة عشرة من العمر، ليضيف أنه يسهر أحيانا للاستماع إلى الموسيقى أو التحدث عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أصدقائه، قبل أن تتسلل الرائحة من النافذة، "إذا زرتنا ليلا، ستصدمين. لا يكفي زيارة المنطقة نهارا، الآن الرائحة شبه منعدمة، لكنها ليلا، تصبح ....تصبح..." لا يجد الشاب الوصف المناسب، ليردف "كتولي بحال لانكول ولا ما عرفتش أشنا هو...". تعايش مفروض لم يعد الموضوع يناقش في الحي، كأن الجميع وضع سلاح المقاومة، "هاذ الشي ماشي جديد !!!!" يقطب الرجل الستيني جبينه، وهو يحول علامة استفهامنا إلى تعجب عن سبب زيارة حي يتعايش مع الروائح الكريهة والنفايات الصناعية منذ 1988، "عندنا أمل شي نهار يتحرك شي مسؤول بوحدو...حيت عيينا بالشكايات، وحتى السانديكات عندنا ما فيديهومش، وعندنا ثمانية ديال الجمعيات...والو ما فادونا بوالو"، يقول الرجل، الذي كان يجلس على كرسي إسمنتي في ممرات العمارات المبنية على شكل مربعات، ليأخذ حصته من شمس يوم بارد، قبل أن يضيف "لا أملك مالا لإصلاح بيتي، بسبب الرطوبة، التي تنتج عن التلوث بالمنطقة، وهذا هو مكاني نهارا، لا يمكنني البقاء في البيت البارد". تخفي واجهات الحي المطلة على شارع مولاي اسماعيل، مظاهر الرطوبة في الداخل، إذ يحرص السكان على صباغة الواجهات باستمرار، غير أنهم لا يقدرون على فعل ذلك في الواجهات الخلفية، لذلك لا يتردد الحارس الليلي للإقامة في سحبك من اليد إلى الداخل، "المزوق من برا آش خبارك من الداخل"، وهو يشير إلى الواجهات التي كستها طفيليات الرطوبة، "شوفي الخضورية هنا، ولهيه، شوفي الصباغة تقشرات...هذه الحالة ديما... وخا نصبغو الحيوط" يقول الحارس الليلي، وهو أحد أبناء المنطقة، مسرعا إلى طرق باب شقة تجري بها أشغال الإصلاحات على قدم وساق. عند الباب تستقبلك روائح طلاء جديد، قبل أن يؤكد مالك الشقة، أنه بعد إصلاحات سيزيفية، يجريها ببيته كل ستة أشهر، استنزفت موارده المالية، قرر إنفاق مبلغ أكبر للحصول على طلاء أكثر صمودا لعوامل التلوث، "أنفقت هذا الشهر خمسة ملايين سنتيم، إذ أعدت صباغة الجدران بنوع غال، وأعدت الأرضية ب"زليج" يمكن أن يحتمل نوع المواد التي لا تفتك بالصحة فحسب، بل حتى بمواد البناء"، يقول عز الدين، سككي متقاعد، فيما تكتفي زوجته بعبارة "الحمد لله...الحمد لله..."، وهي تزكي عدة شهادات تتقاسم مشاعر اليأس و"الحكرة". شهادات سكان آخرين أجمعت على أنهم تعايشوا مع الوضع إلى درجة قد تنفي فيه وجود رائحة، كما هو حال امرأة، عادت من دكان بعيد، حاملة خبز الغداء، "كون جيتي قبل شي أربع سنين، تشوفي حالتنا، وقبل منها أكثر وأكثر، أما دابا ما بقاتش الريحة.." وبحركة ساخرة تحرك المرأة أنفها يمينا ويسارا، "شميتي شي حاجة ...ما كاين والو...هذه غير الهضرة ديال السماسرية ديال الديور باش يطيحو الثمن ديال السكن هنا". اضطرار المرأة نفسها إلى قطع مسافة طويلة نسبيا لاقتناء خبزها، لم يكن بدافع البحث عن مخبزة تعرض خبزا بجودة عالية، بل لأن أغلب المحلات التجارية في المنطقة، مغلقة، إذ "ما أن يفتح دكان ما حتى يغلق أبوابه، لا يحتملون الروائح الكريهة، وأغلب المحلات هنا أصبحت إما صالونات حلاقة أو أنها مغلقة" يقول الحارس الليلي نفسه، وهو أحد أبناء الحي، ليضيف "والدي مريض بالربو. تزداد حالته تدهورا في فصلي الشتاء والربيع، وأغلب أطفال الحي مرضى، كلهم يضعون نظارات وأغلبهم يعالج أمراض الحساسية"، شهادة يؤكدها حميد حصيري، أب لأطفال يعانون أمراض الحساسية. فيما يلح مراد السويني، نائب الكاتب العام لجمعية حي السككيين للتنمية والتعاون، على عدم وأد الأمل في المستقبل، "بعد 15 سنة لن تبقى المعامل هنا، ستنقل إلى مناطق أخرى، رغم ذلك سنباشر ضغطنا، ونضيف مجهود جمعياتنا إلى مجهود جمعيات أخرى لدفع السلطات إلى التدخل للقضاء على التلوث بالمنطقة، إذ لا يجب أن ننسى أن المعاناة تمتد إلى 1988". غير بعيد عن حي السككيين، وفي محيط معامل الخميرة وتصبير السمك، تطبق روائح كريهة على عنق السكان المجاورين، والذين يعدون على رؤوس الأصابع، بعد أن هجر أغلبهم بيوتهم، "إلا دزتي من هنا مللي يحلو الأبواب يحسا بلك شي جيفة"، تقول مواطنة تقيم في محيط المعامل نفسها، مضيفة أن معامل الخميرة خففت نسبيا من نفاياتها الغازية، "قبل سنوات كان الأمر لا يحتمل لذلك غادر الجميع". رحلة كفاح طويلة، قد تكون انتهت عند البعض بالاستسلام بالرحيل من الأحياء الملوثة، وقد تكون بدأت عند آخرين مازالوا يطرقون أبواب المسؤولين، وفي أياديهم الملفات الطبية لأبنائهم. الجماعة هي المسؤولة لا يلقي السكان باللوم على المعامل، لأنهم يدركون أنها متموقعة في الحي الصناعي، لذلك يتوجهون باللوم إلى مسيري جماعة الحي المحمدي عين السبع، في عهد سابق، لأنها رخصت ببناء عمارات في منطقة قريبة من الحي الصناعي، "لو كنت مكان والدي لما سكنت في شقة لا تبعد عن الحي الصناعي إلا ببضعة أمتار. أغلب المعامل كانت موجودة قبل الحي السكني، فهل كانوا يتوقعون أن تنبعث منها رائحة الورد والياسمين؟ هم يتحملون مسؤولية ما يعانونه من أمراض وما نعانيه نحن الشباب. معمل الخميرة موجود هنا قبل أن يسمى حتى الشارع نفسه، وكوسيمار أيضا، ومعامل السمك القديمة، كلها كانت هنا قبلنا" يقول الشاب بغضب. السماسرة وحدهم يزورون حي السككيين، لتقييم أسعار الشقق المعروضة للبيع، وحتى المهاجرون الأفارقة الذين يكترون شققا بالعشرات، هجروا المكان، "الرائحة تسببت في انخفاض أسعار العقار هنا، والسماسرة يدركون ذلك فيقترحون أثمنة أقل من السومة الحقيقية بكثير" يقول أحد السكان، ممن كانوا يعرضون بيوتهم للبيع، قبل أن يضطر إلى إزالة إعلان البيع من نافذة بيته المطل على المعامل، "يأتون الواحد تلو الآخر، يزورون الشقة، ويقترحون أثمنة بخسة لشقة تصل مساحتها إلى 86 مترامربعا، ولم أكسب منهم إلا الضجيج والإزعاج". معامل في قفص الاتهام تنطلق سهام الاتهامات من نوافذ منازل حي السككيين صوب مداخن عدة معامل مصطفة على طول الشريط الساحلي بالمنطقة الواقعة بين عين السبع والصخور السوداء، غير أن الرد يأتي سريعا من بعضها، "معاملنا بريئة من هذه الرائحة، لسنا المسؤولين عنها" تقول مريم الوادي، مسؤولة عن التواصل بشركة "كوسيمار"، قبل أن تضيف في اتصال هاتفي أجرته معها "الصباح"، "إنتاجنا في الصباح هو نفسه بالليل، والدخان المنبعث من مداخننا نهارا هو نفسه بالليل، وهو بخار الماء، وكما تعلمون لا رائحة لهذا البخار، لذلك يجب أن يوجه السؤال إلى جهة أخرى، كما أن أبوابنا مفتوحة للجميع حتى السكان ليطلعوا على طريقة إنتاجنا ويمكنكم معاينة جميع مراحل الإنتاج من الألف إلى الياء لتتأكدوا من صحة تصريحاتنا". فيما اكتفت كاتبة بشركة "صومادير" لصناعة الخميرة، بتأكيد أن المسؤولين منشغلون باجتماعات مطولة ومسترسلة، وأنهم سيتصلون بنا حالما يتمكنوا من ذلك، للرد على أسئلة "الصباح" المرتبطة بمعاناة السكان المجاورين للمعامل الكبيرة، دون أن يجري ذلك رغم إعادة الاتصال بالشركة.