مجتمع

مـشـاهـدات مـغـربـيـة مـن بـروكـسـيـل

شوارع العاصمة البلجيكية تتكلم “الدارجة المغربية” وأزقة تشبه “درب عمر” ومغاربة يتألقون في السياسة

شارع “برابون”، في منطقة “لاكار دي نور” (محطة الشمال)، تشبه درب عمر وسط البيضاء. لا شيء مختلف تماما. الوجوه المغربية نفسها، والشوارع نفسها، تشق الحي إلى نصفين على امتدادهما تنتشر حوانيت لبيع الملابس والأحذية، وحتى

الأواني، البلاستيكية منها، والزرابي. كل ما تجده مفروشا على الأرض في “كراج علال” بشارع محمد السادس، تجده بهذه المنطقة من “لاكار دي نور”، أحد أشهر الأماكن في بروكسيل، في شارع يدعى “برابون”.

المغاربة هنا، يتسيدون الحي، بل حتى مظاهر احتلال الملك العمومي التي تطبع الشوارع التجارية المكتظة بالبيضاء، هي نفسها في هذا الركن من بروكسيل. المغاربة يعيشون بهذه المدينة (بروكسيل) جيلهم الرابع. بعض الأبناء من أصول مغربية آباؤهم ولدوا بها، فهم إذن، بلجيكيون من آباء ولدوا في بروكسيل، ولعلها الحلقة الأساسية التي تجعل من قضية الاندماج غير مطروحة فيها. فهم باختصار أبناء البلد وإن كانوا في الأصل من صلب مغاربة.

شارع “برابون”… “كراج علال”
الاكتظاظ والملابس المعروضة للبيع والوجوه التي تتجول بشارع “برابون”، وسط بروكسيل العاصمة البلجيكية، كلها عناصر تشي بأن المغاربة مروا من هنا سنوات طويلة. الكلمات العربية والدارجة المغربية أكثر تداولا من لغة سكان البلاد. أصوات الأغنية المغربية واللون الشعبي والأمازيغي تتعالى وسط هذا الشارع، لتخرق المكان محلات بيع المأكولات يديرها المغاربة والأتراك. بعضها متخصص في تقديم وجبات الطبخ المغربي، يقصدها المغاربة كما الأجانب. الاكتظاظ بهذا الشارع يشبه كثيرا الاكتظاظ بأشهر الأزقة التجارية بالدار البيضاء. “درب عمر” أو “الحفاري” أو “زنقة الشمال”، كلها أماكن  تجد لها شبيها بشارع “برابون”، بالمنطقة الشمالية للعاصمة بروكسيل، بل إن الوجوه هي نفسها مع بعض مظاهر الحضارة البادية على العابرين من أزقة الشارع.
المفارقة، أنه خلف شارع “برابون” الشهير بمرتاديه من العائلات المغربية خصوصا، والذي يحتله العشرات من المغاربة المقيمين ببروكسيل، توجد محلات ذات نوافذ زجاجية كبيرة تعرض فيها الفتيات أنفسهن، هو سوق للدعارة المنظمة قدره أن يقع بالقرب من الشارع المغربي، لا يبعد إلا ببضعة أمتار عن شارع “برابون”، وكل الأزقة التي تخترقه تؤدي مباشرة إلى هذا “الحي الجنسي” الذي يعرض فتيات للاستعمال.
في بعض الأحياء، بالعاصمة بروكسيل، وبالتحديد في منطقة “كار دي سيد” (المحطة الجنوبية)، لا صوت يعلو فوق الأصوات العربية، واللهجة المغربية بتعدد روافدها، الريفية والشمالية وحتى البيضاوية، تهيمن على الأماكن، في الحدائق كما في الساحات العمومية والمطاعم. حتى الأتراك الذين يملكون المقاهي بهذا الحي تعلموا أن يتكلموا بعضا من الدارجة المغربية، تسهيلا على الزبناء.
مظاهر العنصرية قليلة في بروكسيل، لأنك تحس أن الناس هنا، تعايشوا منذ سنوات طويلة مع الوافد المغربي، وإن كان بعض سكان بروكسيل، من البلجيكيين، هجروا بعض الأحياء بعض أن استوطنها المغاربة.

فنانون مغاربة ينشطون ليل بروكسيل
ليالي بروكسيل تشبه ليالي ملاهي البيضاء، في العاصمة البلجيكية، الليل يشبه ليالي مدن البيضاء أو طنجة أو مراكش. فتيات مغربيات وسهرات مغربية بألوان الشعبي، وأصوات مغربية تطرب ليالي فنادق وملاهي ومقاهي بروكسيل. بعض الوجوه الغنائية المغربية اختارت أن تستقر في بروكسيل، بعد أن ضاق بها العيش في المغرب، منها وجوه معروفة لدى المغاربة، أطربتهم لسنوات طويلة، قبل أن تختفي عن الأنظار، كما هو الحال بالنسبة إلى الثلاثي الفرح، إذ اختار بعض أفراده العيش في بروكسيل، إلى جانب مجموعة من الأصوات الغنائية التي تصدح كل ليلة لتحيي الأجواء المغربية في عاصمة الاتحاد الأوربي.
حكاية الكثير من الفنانين الذين يعيشون في بروكسيل، تختلف من فنان إلى آخر ومن لون غنائي إلى آخر. كثير منهم يشتكون الإقصاء والتهميش الذي يتعرضون له لأنهم يعيشون في بلد المهجر. القنوات العمومية في المغرب لا تعترف بهم، وحتى من كان حظه جيدا، فإن مروره بإحدى القنوات التلفزيونية لا يتعدى بضع دقائق يقطع من أجلها آلاف الكيلومترات بين بلجيكا والمغرب. حياة الفنانين المغاربة هنا لا تختلف كثيرا عن الحياة في بلدهم. ربما من يستقرون في المهجر يعيشون في أحسن حال ممن بقوا يتنقلون بين العلب الليلية والملاهي في المغرب، ورغم ذلك فإن الإحساس بالتهميش يبدو مؤثرا على الكثير من الوجوه الغنائية المغربية التي تعيش في بروكسيل، تقدم الفرحة لمغاربة بلجيكا دون مقابل يعيد إليهم الاعتبار والاعتراف على الأقل.
وسط العاصمة، بروكسيل، تنتشر المقاهي الليلية والعلب، وبداخلها تطغى الوجوه المغربية، على بقية الأجناس التي تعيش بهذه المدينة. ليل المدينة يختلف عن نهارها. وهدوء في الخارج، تخترقه أصوات السيارات بين الفينة والأخرى. بالمقابل، يوجد على امتداد كثير من الأزقة مساحات ضيقة تحولت إلى علب ليلية، بمجرد أن تفتح أبوابها لاستقبال أحد الزبناء حتى تتعالى الأصوات الغنائية الشعبية المغربية المنبعثة تصدح في المكان، ثم تعود لتخفت حتى تختفي بمجرد أن يغلق الحارس الباب.الداخل، لا يختلف كثيرا عن مقاهي البيضاء. الوجوه مغربية والأثاث من صنع الصانع التقليدي المغربي، وحتى الأغاني يطغى عليها اللون الشعبي، وبعض القطع من “الراي”. تبدو الوجوه الجالسة كأنها تتنفس شيئا من الهواء المغربي، وسط ضجيج متعال وأنوار خافتة.

حضور مغربي مؤثر في السياسة البلجيكية
حضور المغاربة في بروكسيل والنواحي، لا يقتصر على التجارة، بل هو أكثر تقدما حين يتعلق الأمر بالشأن السياسي. مغاربة يرأسون بلديات وآخرون منتخبون في البرلمان، والتصويت الإجباري بهذا البلد يجعل نسبة تصويت المغاربة مرتفعة جدا، تفاديا للوقوع تحت طائلة الغرامة المالية التي يفرضها القانون. آخر الاستحقاقات التي جرت في 11 يونيو من السنة الماضية، أبانت الحضور القوي للمغاربة في السياسة، فقد كان فوز المغاربة لافتا في الغرفتين الأولى والثانية، بعد ما ظلت مشاركة الأجانب مقتصرة على البرلمانات الجهوية، سيما في بروكسيل. من بين المرشحات المغربيات، انتزعت المغربية فضيلة لعنان مقعدا في البرلمان الفدرالي ممثلة عن دائرة بروكسيل “إل بيلبورد”، وهي إحدى النساء المغربيات النشيطات في الحزب الاشتراكي الفرانكفوني، وشغلت وزيرة في الحكومة.
مغاربة آخرون لهم دورهم في الحياة السياسية البلجيكية، بينهم من ينتمون إلى الحزب الليبرالي الفلاماني، كما هو الشأن بالنسبة إلى نعيمة انجري، عن دائرة “أونفيرس”، ونادية اسمينات التي رشحها حزب التحالف الفلامنكي الجديد في “إل بيلبورد”. بالمقابل هناك شخصيات مغربية أخرى، منها محمد جبور، برلماني عن الحزب الاشتراكي، وفؤاد الحسيني، عن حزب الخضر، وغيرهم ممن ينشطون في الحياة البرلمانية البلجيكية. مجلس الشيوخ هو الآخر، مؤسسة تشريعية، تعرف اليوم حضورا مغربيا مؤثرا،  فقد نجح في الانتخابات نفسها، حسن بوستة، عن الحزب الاشتراكي، وفتيحة السعيدي التي تشغل الآن منصب برلمانية في برلمان جهة بروكسيل، وينضاف إليهما زكية الخطابي من حزب الخضر الفرانكفوني.
الحياة في بروكسيل، تقل بها مظاهر العنصرية، والمغاربة يساهمون في حياة بلجيكا كل من موقعه. العاصمة بروكسيل، ظلت إلى وقت قريبا ملاذا للمغاربة بمختلف انتماءاتهم. الغاضبون من النظام يعيشون هنا، والمعارضون يعيشون هنا، وحتى من جاؤوا إلى أوربا يبحثون عن لقمة العيش في بلدان أخرى، سرعان ما استقروا هنا، تدفع بعضهم الأزمة التي تضرب بعض هذه البلدان كما هو الحال بالنسبة إلى مغاربة إسبانيا الذين غزوا المكان.

إحسان الحافظي
(موفد الصباح إلى بروكسيل)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق