مجتمع

حـديـقـة لارمـيـطـاج …مـلاذ الـبـيـضـاويـيـن

عائلات اختارت قضاء أيام عطلتها في الحديقة هربا من الروتين اليومي

مع حلول فصل الصيف تحولت وجهة سكان درب السلطان وبوشنتوف والأحياء القريبة منه إلى حديقة لارميطاج، تلك الحديقة التي ارتبطت بالوجود الفرنسي بالمغرب أيام الاستعمار، إلا أنها عانت في سنوات التسعينات الإهمال ما أدى إلى إغلاقها، وفي إطار برنامج حدائق تاريخية الذي تشرف عليه مؤسسة محمد السادس للبيئة، أعيد فتح أبوابها من جديد بعد عملية إعادة ترميم استغرقت سنوات، وأضحت  منذ ذلك التاريخ الملاذ لعائلات عدة تفضل قضاء يومها وسط الطبيعة.

حكايات وافدين إلى الحديقة
بالقرب من الباب الرئيس بدأت أفواج عائلات تتدفق على الحديقة التي فتحت أبوابها باكرا لاستقبال الزوار من مختلف المناطق، وكأن الأمر يتعلق بمخيم صيفي، يبدأ من الساعات الأولى للصباح إلى غاية المساء. ترجلت سيدة في مقتبل العمر ترتدي لباسا رياضيا وبرفقتها طفلان لا يتعدى عمر أكبرها أربع سنوات، وضعت قفة بيدها بالقرب من شجرة وافترشت الأرض وألقت التحية على سيدة أخرى كانت تجلس بجوارها، بدا من حديثهما أنهما على معرفة سابقة.
أخبرتها أن الجو معتدل وأن بإمكان الأطفال اللعب باطمئنان، خلاف المرة السابقة،  ومباشرة انخرطت تلك المرأة في الحديث مع صديقتها وأخبرتها أنها تفضل أن تقضي يوم عطلتها الأسبوعية مع أطفالها بالحديقة فهي قربية من الحي الذي تقطن به، زيادة على الطبيعة الخلابة التي تمتاز بها والألعاب التي يستفيد منها الصغار وتفضلها عن أي وجهة أخرى. أما الثانية فأكدت لها أنها تشعر وهي بحديقة لارميطاج أنها خارج أسوار مدينة البيضاء التي أضحت المدينة الإسمنتية بامتياز.
بالقرب منهما كانت تجلس فتاة تحمل كتابا وبين الفينة والأخرى تسرق النظر إلى الأشجار المصطفة بالحديقة وتسمع خرير المياه، وكأنها تنسى حزنا بداخلها، وبعد دقائق قليلة حضرت أربع فتيات ودخلن في عناق مع تلك الفتاة التي انخرطت في بكاء شديد، بدا من حديثها مع صديقاتها أنها أخفقت في امتحانات شهادة الباكلوريا وتنتظرها الدورة الاستدراكية، حاولت صديقاتها تخفيف الحزن عنها وسرعان ما خضن في أحاديث ربما أنستها ساعة مرارة الرسوب، وبعثت في نفسها أملا جديدا.
وأنت تتجول بداخلها، يشد انتباهك رجال الأمن الخاص الموجودين ،مهمتهم هي بث الاطمئنان في الزوار، والتدخل في الوقت المناسب، تفاديا لأي حادث ممكن الوقوع، ولا يقف تدخلهم عند هذا الحد، بل ينصب حول بعض السلوكات التي يمكن أن تصدر من الزوار تكون مخلة بالآداب.

الرياضة داخل لارميطاج
على الساعة العاشرة صباحا بدأت سيارات تصطف أمام باب الحديقة، ينزل منها أشخاص يرتدون  ملابس رياضية وكأن الأمر يتعلق بمسابقة رياضية، وما إن دخلوها حتى انخرط كل منهم في ممارسة رياضته المفضلة بين المشي والجري أو القيام ببعض الحركات في حلقات دائرية، وما إن يحضر وافد جديد إلا ويلتحق بالركب.
ممارسة الرياضة في الحديقة تعني حسب رجل في السبعين من عمره أن تستنشق هواء نقيا وأن تمتع عينيك بالخضرة التي فقدتها مدينة الدار البيضاء. فهو مداوم على الحضور إلى الحديقة لممارسة رياضة المشي  كل يوم منذ إعادة فتحها أواخر ماي الماضي، يجد فيها متعة حسبه لا يمكن وصفها، وهو الرأي الذي تقاسمه فيه فتاة في الثلاثينات تواظب هي الأخرى على ممارسة الرياضة بالحديقة وتفضلها على النوادي الرياضية بالنظر إلى الفضاء المفتوح والهواء النقي الذي لا يمكن توفيره في أي ناد.
هذا دون نسيان البحيرة المائية التي أعطت للحديقة منظرا رائعا، وأحيت في ذاكرة البيضاويين الحنين إلى الحدائق القديمة التي كانت تزين المدينة إلا أن الأخيرة تخلت عنها، وتركت سكانها تائهين.
الأطفال هم أيضا من محبي لارميطاج

فؤاد وعلي ومحمود أطفال لا يتجاوز سن أكبرهم 13 سنة، يسكنون في درب مولاي الشريف، يعدون من زوار الحديقة الدائمين يقول فؤاد إنه يفضل المجيء على الحديقة واللعب داخلها على البقاء في «راس الدرب»،  الذي لن يفيده في شيء، وهذه السنة يؤكد فؤاد أنه لن يستطيع السفر مع عائلته إلى البادية، فوالده لن ينعم هذا الصيف بالعطلة السنوية، ولا يسمح له بالذهاب إلى الشاطئ رفقة أبناء الدرب، «هنا كيمكن لي نلعب مع صحابي، وقت الغداء كنمشي لدار»، وبديهي أن عائلته تعلم وجهته اليومية، لأن والدته هي الأخرى وجارات يقضين فترة بعد الزوال في الحديقة.
على مساحة مهمة تم وضع مجموعة من الألعاب التي يستفيد منها الأطفال والتي تخضع حسب مستخدم بالحديقة إلى صيانة يومية لتفادي أي عطل محتمل. الوقت داخل الحديقة يمر بسرعة ومع المساء يبدأ الزوار في توديع بعضهم  ضاربين موعدا في اليوم المقبل.

كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق