خاص

بانوراما الصيف: القضاء في تاريخ المغرب – الحلقة السابعة-

محكمة خاصة بطنجة

قوة الأمم تقاس بقوة قضائها. كثيرا ما يعرج المؤرخون على القضاء وأشكال تطبيقه، في بحوثهم حول في محاولة لفهم الأمم وتطورها، فالقضاء هو المرآة التي تعكس وجه الشعوب والتطور الذي حققته.
ومع التطور التاريخي الذي شهده المغرب منذ قرون خلت، كان السؤال المطروح دائما هل كان يتمتع بقضاء منظم وفق معايير

مضبوطة، أم أنه كان الاحتكام فقط إلى الأعراف والتقاليد، للفصل في النزاعات؟ هل كانت كل المناطق المغربية تحظى بوجود محاكم؟ وغيرها من الأسئلة التي نحاول من خلال هذه الحلقات إيجاد جواب لها بالحديث عن القضاء في المغرب، قبل عهد الحماية وأنواعه، ثم فترة الحماية وما حملته من تغيير للتنظيم القضائي بإحداث محاكم عصرية ومحاولة طمس بعض أنواع القضاء، وفترة الاستقلال.

لم تكن طنجة بفعل موقعها الجغرافي واعتبارها بوابة إفريقيا نحو أوربا، تابعة إلى نفوذ سواء الفرنسي أم الإسباني،  وكانت تعتبر منطقة دولية، وبمقتضى الاتفاق السري بين الدولتين في 3 اكتوبر 1905، تم الاتفاق على الإبقاء عليها  منطقة خاصة.
خصوصية المدينة انتقلت تباعا إلى نوع المحاكم الموجودة بها، إذ أحدثت محكمة دولية مختلطة يتقارب تنظيمها واختصاصها من تلك التي تسود في المحاكم الفرنسية، وتتكون من سبعة أعضاء رسميين، قاضيان فرنسيان وإسباني بالنيابة العامة وخمسة قضاة (بلجيكي وفرنسي وانجليزي وإيطالي وإسباني)، ينتمون كلهم إلى سلك القضاء ببلدانهم ويحتلون الرتبة نفسها ويسهرون على تدبير القضاء وتشتمل المحكمة كذلك على نواب لأعضاء يجلسون بجانب القضاة، الرسميين ويختارون لمدة ثلاث سنوات من بين وجهاء المدينة ومواطني الدول الموقعة على اتفاقية الجزيرة الخضراء، من طرف الجمع العام للقضاة الرسميين باقتراح من القناصلة، ويشترط فيهم أن لا يقل سنهم عن 25 سنة، وأن يقطنوا طنجة لمدة تتجاوز السنة، ويستثنى منهم مواطنو ألمانيا والنمسا وهنغاريا التي تخلت جميعها عن امتيازاتها بمقتضى معاهدة فرساي.
تنقسم المحكمة الدولية إلى أربعة فروع الصلح  والابتدائي والاستئنافي والاتهام، ويمارس القاضي الرسمي مهام قاضي التحقيق بينما يرأس قاض آخر الفرع الابتدائي بمساعدة مستشارين لهما حق التصويت، يختاران من بين مواطني الأطراف المتهمة أو المتنازعة، ويتحول القاضي الابتدائي إلى قاض جنائي عندما تعرض عليه قضايا جنائية، أما الاستئناف فيتكون من ثلاثة قضاة  رسميين لم يسبق لهم أن حكموا في القضية ابتدائيا ومستشارين يمكن لأحدهما أن ينوب عن قاض رسمي عند الاقتضاء، وعندما يتعلق الأمر بنزاعات عقارية، ابتدائيا أو استئنافيا ينضاف إلى المحكمة مستشاران من المسلمين.
وعلى خلاف ما كان معمولا به بشأن القضايا المدنية لم تأخذ المحكمة الدولية بالقاضي المقرر، وجعلت المحامي إلزاميا في مجريات الدعوى، فالمحامون هم الذين يسيرون المسطرة أمام المحكمة المختلطة، تطبيقا لنظام القضاء الخاص، وليس من حق القاضي أن ينظر في الملف ما لم يكن جاهزا للحكم.
إلزامية المحامي في القضايا المدنية التي أقرتها المحكمة المختلطة بطنجة، دفعت الجمع العام لقضاة المحكمة إلى وضع نظام لهيأة المحامين بطنجة تطبيقا للبند 16  من الفقرة الرابعة من ظهير 16 فبراير 1924، المتعلق بتنظيم المحكمة الدولية، إذ لم يسمح بالتسجيل إلا للمحامين الذين يستوفون الشروط المستلزمة في حق المحامي بمقتضى القانون الداخلي للبلد الموقع على عقد الجزيرة  الذي ينتمي إليه المرشح لمزاولة المهنة بطنجة، ويتكون مجلس هيأة المحامين من خمسة أعضاء منتخبين من طرف الجمع العام للمحامين المسجلين باللائحة، ويتم البدء بانتخاب النقيب ثم أعضاء المجلس، والكل بالاقتراع السري وبأغلبية الحاضرين.
لم تكن طنجة تتمتع بمحاكم خاصة لوحدها، إذ تم إحداث البنك المخزني المغربي بموجب اتفاقية الجزيرة الخضراء، التي أُبرِمت في 7 أبريل 1906 من قِبَلِ مندوبي 12 دولة أوربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والمغرب.
وبمقابل البنك تأسست المحكمة الخاصة بمقتضى بنود 44 إلى 46 من عقد الجزيرة، وكان البنك يسير بمقتضى القانون الفرنسي، المتعلق بالشركات مجهولة الاسم وكانت الدعاوى المقامة من طرف البنك بالمغرب ترفع أمام المحاكم المغربية المختصة أو عند الاقتضاء أمام المحكمة القنصلية للمدعى عليه. أما الدعاوى المرفوعة ضد البنك فكانت من اختصاص المحكمة الخاصة المكونة من ثلاث قضاة قنصليين ومستشارين تقوم الهيأة الدبلوماسية بوضع لائحتهم سنويا، وتطبق المحكمة القواعد المسطرية وقواعد الاختصاص. وترفع الطعون ضد القرارات الصادرة عنها أمام المحكمة الفيدرالية بلوزان.

كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق